الكتابة ليست للحزن

إذا بلغ الحزن مداه يصبح من الصعب تطويع الحرف للوصول إليه .. بل إن المحاولة لكتابة الحزن بحد ذاتها تبدو محاولة غير صادقة مع فكرة الحزن .. وكأنه فكرة وشعور خاص جدا لا يجب أن يُكتب. إذا كانت الكتابة نوعا من المشاركة والاقتسام، فالحزن مادة أولية لا تقبل القسمة على أحد.
ولو افترضت أني مخطئة في رأيي وأن هناك صادقين أبدعوا في إيصال حزنهم عبر الحرف بنزيف حرف فاجأهم دون أدنى محاولة! فإن حزنا كهذا يجب ألا ينشر حتى لو انهزم الحرف له ببسالة. ففي هذه الحالة يجب ألا يخلّد فيكون "فائض صدقة" للأحزان الناس في غنى عنها، لديهم ما يكفيهم دون الحاجة لمزيد، ولو كان لي من الأمر شيء لحرمت الكتابة في عالم الأحزان مفندة الأسباب والغايات!
الكتابة ليست للحزن، والحزن ليس للكتابة مهما كان حجم أنين القلب العربي. بل ربما لو قرر هذا القلب أن يتوقف عن كتابة أحزانه لتوقفت أحزانه بالفعل!
كتب العرب لأحزانهم أكثر من سعادتهم، وبكوا بحروفهم أكثر، ونبشوا عن النهايات الكئيبة أكثر من البحث عن الفرح والأمل والحياة. وأي وفاء للحرف العربي جعلهم لم يسجلوا من خلاله لحظاتهم السعيدة كتسجيلهم خيباتهم؟
إذا كانت أحسن القصص قصة يوسف ـــ عليه السلام ـــ التي ابيضت فيها عينا يعقوب ـــ عليه السلام ـــ من الحزن، ظفرت بأجمل النهايات فأي كآبة لدى كتابنا في النبش عن الأحزان واستعراضها؟ وكأنها ارتبطت ارتباطا شرطيا ووهميا بالعمق والثقافة!
الباحثون عن السعادة والكاتبون عنها والمتخصصون فيها نادرون على مستوى العالم وعلى المستوى العالم العربي أندر.
ألم يُخلَق الألم بمرارته فقط لنفهم السعادة بشكل أروع وأعمق لأننا نتذوق حلاوتها بإحساس المفارقة كما لو كان الألم يشق الطريق ويحفرها ليتدفق إليه نهر السعادة؟ وكلما كان الشق أعمق كان للسعادة أدعى احتواء .. فالذي لا يتألم كما يجب لا يسعد كما يجب. والذي لا يعيش لحظته بما تقتضيه فيصارع حتى يتخطاها مهما كلّفت من ضريبة لم يذق بعد طعم السعادة. هل لي بعدها أن أقول: قل لي كم تألمت بحياتك أقل لك كم سعدت؟
وكأن المهمة الأولى والأساسية في الحياة هي البحث عن هذا الجمال مهما كلفت رحلة البحث من صعوبة وقاست من طول طريق. المهم أن اليقين بتلك اللحظة لا يغيب تماما كيقين أن الشمس تظهر كل يوم ولا تختار لها توقيتا إلا إذا اشتد سواد الليل. لأن السعادة ببساطة "سُنَّة كونية" كما هو التعب والألم.
وإبطال سنة كونية والاعتراف بأخرى يخل من توازن الكون والاعتراف بحقيقته!
قبل أيام ودّعت جدتي "أمي حصة" تغمدها المولى بواسع رحمته، الموت ذهول يعيدك لحالة الصفر، ويجعلك تعيش شعورا برزخيا يفصلك عن أيامك العادية تخرج فيها عن إيقاع الحياة اليومي المعتاد وكأنك تخرج خارج الزمن. فتخرج بشكل ما ولا تعود أبدا كسابق عهدك قبل الفقد.
لحسن حظي أني حفيدتها الأولى مرت عليّ ذكريات كثيرة معها حضرت بأيام العزاء كما لم تحضر من قبل!
اللافت في كل الذكريات هي شخصيتها الهادئة المسالمة التي لا أذكر يوما علا فيها صوتها، فعاشت وتوفيت في هدوء وسلام رغم الألم الشديد الذي اجتاح أيامها الأخيرة.
موت الأحبة لا يجعلهم يغيبون إنما يحضرون لكن بطريقة أخرى، بطريقة نحن نختارها بحسب "وفائنا" لهم!
حاضرون دوما على قدر وفائنا بذكراهم، والفجيعة كل الفجيعة أن يتحول مَن نحب إلى ذكرى. ولذا بهكذا لحظات نستغيث نزول الرحمة على الأحياء قبل الأموات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي