رعاة البقـــــر وكذبــــــــة الشــــــــرق الأوســـــــــــط الجديـــــــــــد

<a href="mailto:[email protected]">Alkhedheiri@hotmail.com</a>

أشاهد فيلما من أفلام رعاة البقر cow boys وكيفية تعاملهم معها وطريقة قيادتها وتركيزهم على الأبقار ذات القوة أو التي تقود الآخرين للسير بها ضمن المقاطعات الأمريكية المختلفة, وفي هذا السياق جاءت نظريات اقتصادية واجتماعية وسياسية حول هذا الأسلوب لعل من أهمها ما يسميه الاقتصاديون "نظرية القطيع"، هذا الفيلم وهذا التشبيه في التعامل المتمثل بين الرعاة والبقر وكيف تحول ذلك البيت الريفي الذي يجتمع فيه رعاة البقر بعد يوم طويل من الرعاية إلى البيت الأبيض وتغير الرعاة إلى قيادات للسياسة والاقتصاد والشؤون العسكرية وتحولت تلك الأبقار إلى حكومات وشعوب العالم المتقدم والمتأخر، الأول والثاني والثالث وغيرها من المسميات الاقتصادية والاجتماعية المعروفة، التي يقوم اليوم البيت الأبيض بتسييرها كيفما يشاء وبقبول مطلق من الجميع ومن يخرج عن الطريق ينال ما نال ذلك الثور ضمن قطيع البقر, ولهذا تربوا على هذا التصرف وترعرعوا على هذه التربية التي تجعل العالم وشعوبه بقر وهم رعاتها.
البيت الأبيض هو الرمز السياسي الأول في الولايات المتحدة ويعمل فيه العديد من القيادات ويحيط به العديد من المباني ذات العلاقة بتلك السياسة سواءً العسكرية منها أو الاقتصادية أو السياسية أو غيرها، هذا البيت والعاملون فيه ومن معهم وفي حدود ما مساحة قطره 20 ميلاً هم أولئك الرعاة الذين يعتقدون أنهم يفهمون العالم ويقودونه ويعرفون مصالحه ومتطلباته ويزرعون الرعب في قلوب قياداته وشعوبه من خلال السياسات التي ينتهجونها ويساعدهم على ذلك الاعتقاد الخاطئ للكثير منا من أنهم فعلاً يملكون من تلك القوة والمعرفة, وحقيقة أمرهم أنهم مجموعة من رعاة البقر الذين جمعتهم الصدفة أو عدم مبالاة الآخرين بهم، هؤلاء الآخرون هم الشعب الأمريكي الذي يقوم بانتخابهم، ويحضرنـــي مقولة أحدهم عندما عُلقت الانتخابات في عام 2001م بسبب فرق النسبة يقول ما نصه "لا يهمني من سوف يأتي للبيت الأبيض، ننتخبه لمعالجته مشاكلنا الداخلية فإذا فشل نغيره بعد أربع سنوات، أما السياسة الخارجية فليس لي فيها شأن ".
إن المواطن الأمريكي العادي الذي يعيش خارج نطاق الـ 20 ميلا من البيت الأبيض مواطن يرغب أن يعيش حياته بكل بساطة, يبدأ يومه من الصباح الباكر ويذهب إلى العمل حتى الساعة الخامسة مساءً ثم يعود لمنزله ويتناول طعام العشاء ويقضي بعض الوقت البسيط مع أسرته ثم يخلد إلى النوم وهكذا بقية أيام الأسبوع ويستمتع بوقته خلال إجازة نهاية الأسبوع، يعمل بجد ويمرح ويستغل وقته بجد لا يعرف جاره ولا جار جاره ولا جار بلاده، نجح في صناعة وإنتاج الأفلام ونجح في الكثير من العلوم الإنسانية والبحوث والدراسات الطبية وجعل من الحياة اليومية حياة مثالية وأعطى لجميع شعوب العالم الفرصة للتعلم والتعلم الصحيح وهذا لا ننكره، ولو أن أمريكا حافظت على هذه الإنجازات والنجاحات وغيرها في هذا المجال وتركت عنها قيادة العالم والدخول معه في صراع دائم تكون فيه أمريكا هي دائماً الخاسر الأكبر لكنّنا اليوم نعيش ويعيشون في رغد عيش وسلام دائم ولكن رعاة البقر أرادوا غير ذلك.
المواطن الأمريكي العادي الشأن الخارجي لا يهمه ولا يشاهد الأخبار ولا يتكلم في السياسة ويصدق كلما يقال له عن العالم وأحداثه، يعشق الحرية ويكره الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) لأنه أعطى رعاة البقر الحق في الحد من الحريات ومراقبة الإنسان الأمريكي واستغلال تلك الحادثة في كل شأن .
هذا ببساطة المجتمع والحكومة الأمريكية, ولهذا عندما جاءت فكرة الشرق الأوسط الجديد جاءت ككذبة, كان أول المصدقين لها نحن العرب واعتبرناها من المؤامرات التي تحاك ضدنا من أعداء الدين والأُمة والقيم إلى ما هنالك من الأوصاف والمواصفات التي نعتقد أن العالم لا ينام بسبب حرصه على قتلنا وإبادتنا والقضاء علينا، وخوفنا دائماً وحوارنا المستمر عن المؤامرات إلى درجة أننا أصبحنا نتعامل معها كأمر واقع وهي في الحقيقة خدعة اخترعناها واستغلها الآخر ضدنا، ولهذا أصحبنا مقيدين بها ونعمل في ضوئها في جميع قراراتنا، هذه الكذبة وغيرها تذكرني بذلك الصاحب الذي يكذب علينا ويذكر لنا أحداثا يراها ولا نراها ويدرس انعكاساتها علينا, فإذا رأى أنها ذات تأثير مباشر أو غير مباشر لصالحه عمل على تحقيقها, وإذا رأى موقفنا القوي منها ورفضناها بشكل مدروس، سكت عنها وقتلها وبحث عن كذبة أخرى يدرس ردة فعلها علينا، وهكذا هو معنا وهكذا هي أمريكا مع العالم وخصوصاً العالم العربي بسبب معرفتها بأنهم شعوب يؤمنون بالمؤامرات وتاريخهم مليء بالأحداث ذات العلاقة.
إن اختراع كذبة الشرق الأوسط الجديد وطرحها في الوقت الذي لا تحمل أي هدف أو معنى أو توجه وإنما الهدف منها كما كان يعمل صاحبنا معنا يدرس الفعل وردة الفعل, ولعل حجم ما تمت كتابته من مقالات وما تم طرحه من نقاش حولها قد بلورها لصالح أمريكا في الوقت الذي لا تملك أمريكا أي وجهة نظر حولها وإنما أعطتنا فرصة كما هي عادتها في كل سياساتها الخارجية عندنا تطرح مشكلة أو فكرة وتترك لأصحاب الشأن بها تطويرها ومساعدتها في بلورة تلك الفكرة.
إن المتابع للتاريخ الخارجي للولايات المتحدة الأمريكية يجد أنها لم تنجح أبداً في أي علاقة مع الآخر خصوصاً عندما تكون تلك العلاقة علاقة قوة من طرف واحد فمن حرب فيتنام إلى كوبا إلى الصومال إلى إيران إلى أفغانستان إلى العراق ولبنان وسورية والقائمة تطول بالإخفاقات الأمريكية التي لم تر النور أبداً وإنما ترى الإذلال والكره المتزايد لها في قلوب وعقول جميع شعوب العالم حتى العالم الذي يعتبر من الأصدقاء لها، ولعل خير مثال على ذلك أن أغلب من يحارب في الجيش الأمريكي هم من المرتزقة أو الباحثين عن فرص الإقامة بها وما نراه اليوم من دعوة للحصول على الإقامة الدائمة في الولايات المتحـــــــدة live and work in the usa من خلال united states greencard lottery service هذه الدعوة التي تسعى إلى إيجاد مجندين للعمل في الجيوش الأمريكية.
وهنا لا بد أن نعترف أن أمريكا قد كسبت جميع الحروب التي خاضتها من خلال أفلام هوليود وخسرت أغلب الحروب التي خاضتها على أرض الواقع.
إن فكرة الشرق الأوسط الجديد فكرة تستحق الاهتمام والدراسة والنظر لها من خلال النظرة الإيجابية المتمثلة في ربط الشرق الأوسط بالشرق الأقصى بالشرق الأدنى والعمل من خلال شرق موحد، هذا الشرق الذي يمكن تطويره في ظل المقومات الأساسية له المتمثلة في القوة البشرية والإمكانات المالية والطاقة القادرة على تحقيق المعادلة المتوازنة له، ونجعل الغرب وطفلتهم المدللة إسرائيل ينعمون بحب أمريكا ورعايتها, وبهذا نعيش شرقنا وغربهم في نعيم وراحة وسلام، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وقفة تأمل:
"وما كلُ من يُبدي المودة ناصحٌ
كـــــــــما ليـــــــــــس كلُ البرقِ يصدقُ خائله
ومن لم يدبـــــــــر أمره ذو بصــــــــيرةٍ
شفيق بكتــــــــه عـــــــن قريــــــــب ثواكلــــــــــــــــــــــه
ومن ضيع السيف اتِّكالاً على العصا شكا وقع حد السيف ممن ينازلـــــه"

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي