فرصة عمل أم وظيفة؟
فرص العمل، التي تستهدف برامج ومشاريع التنمية والنشاط الاستثماري خلقها، تطرح سؤالاً مهماً حول ما تشكله من قيمة مضافة لجهة العمل ولطالب العمل ولاقتصادنا الوطني على حد سواء؟
إن فرص العمل حين لا تملك قوة دفع معنوي لتحقيق الذات والإحساس بجدوى العمل نفسه، من حيث أهمية ودور الموقع الوظيفي الذي يشغله الموظف، وإدراكه العميق أنه فاعل منتج، إنها حين لا تحقق ذلك تكف عن أن تكون فاعلة للمؤسسة والموظف، وبالتالي لاقتصاد الوطن، لأنها ستكون بمثابة بدل بطالة تقوم فقط بتأمين مورد رزق لشاغل الوظيفة على حساب ميزانيات الجهات نفسها، ما يعني خسارة هذه المؤسسات بعض قوتها المالية، وبشكل عام استنزاف مستدام للمورد المالي للقطاع الخاص أو للدولة، وبالتالي عيش على حساب الاقتصاد الوطني وليس لمصلحته، كونها وظيفة لا تنتج وتستقطع في الوقت نفسه ما كان بالإمكان توجيهه للإنتاج.
إن بدل البطالة شأن مطروح للنقاش ومعمول به في بعض دول العالم، باعتباره تأمين احتياج مؤقت مطلوب ومشروط بخلق وظائف مجدية تحل محل البطالة، إلا أننا لو نظرنا إلى تشكيلة بعض وظائف الدولة في القطاع الحكومي، وما تقدمه مؤسسات وشركات القطاع الخاص من فرص وظيفية، فسوف نجد قدراً ليس بالقليل من هذه الفرص ليست سوى وظائف شكلية لأعمال إدارية بسيطة أو هامشية أو مفتعلة، تم تفكيكها ليحل فيها عدد من الموظفين، وكان بالإمكان أن يقوم بها شخص بعينه، أما في القطاع الخاص فمعظمها وظائف لنزع اللوم في عدم السعودة، ما يجعل كثيرا ممن يلتحقون بتلك الوظائف لا يستقرون فيها، بل يتركونها على وجه السرعة حينما تلوح فرصة أفضل وهكذا دواليك.
إن عدم تحقق الرضا الوظيفي بإشباع الذات بجدوى العمل نفسه في الوظيفة هو ما يكرس البطالة المقنعة ويوسعها، لأنها لا تقدم سوى إيهام بالعمل، الأمر الذي يسحب قيمة العمل ووزنه ودوره وأهميته من نفوس القوى البشرية، وينسف مفهوم ثقافة العمل الحقيقية، ويصيب بيئة العمل بعطب كبير في الصميم يعزز حالة اللا اكتراث، بغياب الحافز للخلق والإبداع وداعي المبادرة من الوظيفة نفسها.
إن ما يكال من تهم عن عدم جدية الشباب في الالتزام وتدني إنتاجيتهم وضعف مهاراتهم يعود أصلاً للإصرار على أن المطابقة بين الشكل والمضمون يتحقق بالاكتفاء بالمساواة بين اسم الوظيفة ومجرد شغلها، بغض النظر عما إذا كانت هذه الوظيفة مصدر عمل فعلي حقيقي، يحس شاغلها به معنوياً وروحياً، ويلمس إنتاجها أو خدمتها لمساً مباشراً يشعره بكرامة وجوده فيها وأهمية دوره، أم لا.
ينبغي، إذا، ألا يكون همنا منكباً على خلق فرص عمل كيفما اتفق لمجرد منح الخريجين والعاطلين مكاناً يدر عليهم دخلاً مقابل الحضور والانصراف، فذلكم يعمق مع الأيام إحساساً فظيعاً باللا أهمية للشخص نفسه، يقمع الرغبة فيه للعمل والالتزام به أو يمارسه بعدم مبالاة .. مما يتطلب إعادة النظر في سياسة التوظيف والسعودة بما يحقق الإحساس بقيمة العمل وبانعكاسه المعنوي على الموظف حيث يعمل ..
وإذا كنا كثيراً ما نتحدث ونكتب عن تأهيل القوى البشرية الوطنية، وعن الأولوية القصوى للرأسمال البشري وعن التنافسية، فإن هذا طبعاً يستدعي بالضرورة الإعلاء من قيمة العمل بالحرص على خلق فرص نوعيته وجدواه، حتى تصبح فرص العمل ذاتها جدارات وطنية تحقق أقياماً مضافة لاقتصادنا الوطني ودفعاً لثقافة عمل منتجة يكون فيها السعودي هو العامل المنتج وليس الأجنبي الذي جئنا به مؤقتاً فاستدام.