الإرهاب .. والعودة إلى المربع واحد

الرسالة الأخيرة العاجلة التي وجهها زعيم القاعدة أسامة بن لادن إلى فرنسا مهددا إياها بضرب الرقاب بعد رسائله السابقة حول الفقر والبيئة, تطرح سؤالا مهما هو: هل نجحت الحرب على الإرهاب في جعل العالم أكثر أمنا, أم أننا عدنا إلى المربع رقم واحد؟
قبل رسالة بن لادن الأخيرة ساد انطباع بأن القاعدة غيّرت استراتيجيتها في ملاحقة المصالح الغربية عبر توجيه مركزي من زعيمها مباشرة وأنها لجأت إلى ترك مهمة توجيه الضربات لخلاياها في اليمن والمغرب العربي وغيرهما من البلدان, فيما تفرغ زعيمها لمحاولة تجميل وجه الإرهاب بالعزف على قضايا اجتماعية واقتصادية وبيئية تستهدف الإيحاء بمشروع إنساني وراء عنفها وتبريرا له بعدما لمست القاعدة شقاء العالم بما أحدثته من مآس وإعاقات للتنمية بشكل عام طالت المواطن حينما كان, وبعدما أثخنتها الضربات المتلاحقة لعناصرها والقبض على أعداد كبيرة منهم, فضلا عن تراجع عناصر أخرى وتخليهم عنها بالتوبة أو بتسليم أنفسهم للسلطات في هذا البلد أو ذاك.
الرسالة الجديدة لابن لادن زرعت الشكوك في تلك التحليلات, وبدا وكأن أسامة بن لادن قرر استبدال صدامه مع جورج دبليو بوش وأمريكا بالمواجهة الجديدة مع نيكولا ساركوزي وفرنسا, مستغلا مأزق حكومة ساركوزي مع الشارع الفرنسي المحتج على نظام رفع سن التقاعد من 60 إلى 62 سنة, ومتخذا من مسألة الحجاب ومنعه قانونيا في فرنسا منصة لإطلاق سهامه, إلى جانب وجود قوات فرنسية في أفغانستان, وشركات فرنسية يتهمها بن لادن بنهب ثروات إفريقيا, وعلى وجه الخصوص النيجر, حيث اختطف عناصر القاعدة هناك خبراء فرنسيين وما زالوا قيد الاحتجاز.
ابن لادن يمارس من خلال رسالته الأخيرة انتهازية ظرفية يحرج بها فرنسا بقيادة ساركوزي, الأمر الذي أخذته فرنسا على أنه تهديد حقيقي دعا وزير داخليتها إلى التأكيد على أن فرنسا تواجه خطرا حقيقيا من الإرهاب فيما أعلن وزير الدفاع الفرنسي أن فرنسا تفكر في سحب قواتها من أفغانستان بعد عام.
على الجانب الميداني ما زالت الحرب في أفغانستان وباكستان تعاني إخفاقات في القضاء على طالبان والقاعدة والقوى المتطرفة الأخرى المتعاطفة معهما رغم مرور أكثر من سبع سنوات أدار فيها الحلف الأطلسي بقيادة أمريكا حربا شرسة أسفرت عن تفاقم الوضع الأمني هناك وانسحاب بعض الدول من ميدان المعركة تحت ذرائع مختلفة, كما أن الحلول السياسية ومبادرات التفاوض والاحتواء لم تؤد إلى حلول تسهم في وضع الحرب أوزارها هناك, علاوة على ما يحدث في اليمن والمغرب العربي وإفريقيا من هجمات إرهابية بين الحين والآخر.
هذا المشهد الدموي في مواجهة الإرهاب قد يوحي بأن الحرب على الإرهاب عادت إلى المربع رقم واحد, وبأن الحلول الأمنية لم تفلح في لجم العنف ولا في الوصول إلى زعماء هذا العنف المتوارين عن الأنظار في جبال وكهوف ما بين أفغانستان وباكستان: الملا عمر, الظواهري, وأسامة بن لادن ... غير أن هذا الإيحاء مضلل إلى حد ما, أو غير دقيق في توصيف نتائج الحرب على الإرهاب لأن الملاحظ أن الإرهاب فعلا تلقى ضربات فعلية موجعة في الصميم أدت إلى انكسارات في عنفوانه المعنوي بعد نشوة هجماته الغاشمة في بقاع متعددة من العالم أبرزها: أحداث الحادي عشر من سبتمبر, وبات فعل الإرهاب مزعزعا أشبه بغارات العصابات المعزولة التي ما أن تقوم بغارة حتى يتم سحقها, وإن كان هذا الأسلوب يواصل دوره في هذا الموقع أو ذاك دون تحقيق مكاسب ذات شأن, وإنما تعميق حالة النفور منها ومن خطابها الغوغائي الدموي الفج, ما يشكل للإرهاب الراهن مأزقا في الإحساس بعبثية ما يقومون به.
لكن .. في مشهد كهذا .. هل ثمة مخرج من حلقة الرعب والدم المغلقة هذه بين الإرهاب ودول العالم؟ هل وصل الحال بهذه الحرب إلى طريق مسدود؟ وهل سيشكل انسحاب أمريكا وفرنسا وغيرهما من الدول من الميدان الأفغاني والباكستاني طريقا للحل؟ أم تراه سيزود الإرهاب بنشوة قهر دول الاستكبار, كما يقول زعماؤه؟ إنها فعلا أسئلة الإجابة عنها محالة على قابل الأيام وعلى المواقف التي ستتخذها الدول التي تدير حربها على الإرهاب .. ولعل إمكانية تلمس ملامح هذه الإجابة تأتي من خلال الموقف الذي ستتخذه فرنسا بعد رسالة بن لادن الأخيرة, ومن خلال رد فعل قادة الإرهاب إزاء هذا الموقف, وأثر هذين الموقفين في استراتيجية الحرب على الإرهاب من جميع الأطراف.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي