مَنْ حَضَّرَ عِفْريتَ البطالة؟! (2)

في المقال الماضي تناولتُ أول الخيط، بالحديث عن دور الأسرة كحلقة أولى في تحضير ما أسميته «عفريت البطالة»، ولقد راقت لي التسمية نظراً لما تحدثه البطالة من قلق وتوتر على مستوى الفرد والمجتمع، إذ ذكرتُ - على سبيل المثال لا الحصر- سبعة أسباب، شكلت - بحسب رأيي المتواضع - مساهمة الأسرة - بشكل مباشر أو غير مباشر - في تحضير «عفريت البطالة»!.. هذا أولاً.

##ثانيا: وسائل العلاج:

(1) مطلوبٌ أن يتغير مفهوم التربية لدي الأسرة ليستوعب بناءَ أفكارِ وتوجهات الأبناء إلى جوار بناء أجسامهم، من ذلك تربيتهم على حب العمل الذي يتناسب مع ميولهم وقدراتهم الجسمانية والعقلية، كتعلم مهارة حرفية يدوية في أوقات الفراغ، بدلاً من استهلاك الوقت في مشاهدة التلفاز، أو في ألعاب الفيديو والكمبيوترComputer and video games ، ذلك وإحداث التطور المنشود في مفاهيم وأساليب التربية يتطلب تثقيف الأبوين عبر مراكز تربوية تؤسس لهذا الغرض.

(2) ترغيبُ الأبناء في الاعتماد على النفس، بذكر النماذج المُشرقة التي حققت طموحاتها المادية والأدبية، حين اعتمدت على عقولها وسواعدها، فبدأت بأعمال يراها الناس صغيرة، ولكن بعصاميتهم وجديتهم تحولوا إلى نجوم ساطعة في سماء الإنجاز والنجاح، وتاريخنا العربي والإسلامي مكتظٌ بنماذج رائعة صنعت حاضرها ومستقبلها انطلاقاً من نقطة الصفر!.

(3) ضبط معيار الحُكْمُ على الأعمال في عقول الأبناء على نحوٍ يجعل «للعمل الحلال» الكلمة العليا في تقييم عمل دون عمل، إذ الأعمال لا توزن في نظر الإسلام بِسِيطِها وبريقها، ولكن توزن بمقدار تحري الحلال في إتيانها وأدائها، فرُبَّ عمل صغير لا يُقيم له الناس وزنا يكون في ميزان الله أرجح من جبل أحد!.

(4) بث روح التفاؤل في نفوس الأبناء حين يتعاملون مع واقع قد لا يروق لهم، وبناء قدرتهم على التعايش في مجتمع يموج بألوان شتي من أفكار وسلوكيات وأخلاق، الأمر الذي يستلزم تمتعهم بقدر مناسب من المرونة والتسامح لتجنب الاصطدام والخصام واعتزال الناس، خاصة والحياة لا تعترف إلا بمن يأخذون شهيقاً ويطردون زفيراً، وذا يفرض على الأبوين استخدام اللين والرفق والتسامح في تقويم سلوك الأبناء لينتقل الحال إليهم حين يتعاملون مع المجتمع.

(5) غرس الإيمان بالعمل الخيري التطوعي في نفوس الأبناء لإكسابهم خبرة الاحتكاك بشرائح المجتمع، وما لهذا من أثر بالغ في تقوية الإحساس بالذات وتنمية الثقة بالنفس، إضافة إلى تنشيط جوانب الخير وحب الناس، وذا يتأتي من تربية دينية رشيدة تجعل من العمل الخيري التطوعي في الدنيا تجارة رابحة مع الله يحصدون ثمرتها في الدار الآخرة.

(6) تعليم الأبناء أن قيمتهم وكرامتهم بين الناس تُقاس بمدي استعلائهم وتعففهم عما في أيديهم، وذا لا يتحقق إلا بعمل شريف يحقق الكسب الحلال، فيُغني النفس عن التذلل بالسؤال أمام من يعطي أو يمنع.. قال مُعلم البشرية محمد ”صلى الله علية وسلم“: «لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ»، وقال: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِه»، وقال: «مِن بَات كَالَّا مِن عَمَل يَدِه بَات مَغْفُوْرَا لَه».

(7) دأبت بعض الأسر النابهة على إحياء ما يسمي «بمشاريع العائلة Family Projects» كحل سحري للتغلب على بطالة الأبناء، وهي فكرة جيدة للغاية إذا أحسن التخطيط لها من قبل الأسر، وليكن المفتاح عن طريق صندوق عائلي، تُجمع فيه تبرعات أفرادها، ليس من أجل الإنفاق على الحالات الطارئة وفقط، ولكن من أجل تجميع رأس مال كافٍ لإنشاء مشروع ما لاستيعاب طاقات شباب العائلة.

## المحطة الثانية: المؤسسة التعليمية

أولا: الأسباب:

(1) غالباً ما تتعامى المدرسة عن المرحلة التي قضاها أو يقضيها التلاميذ في البيت، ولا تسأل ولا تستفسر عن حاله ومقاله من ولي أمره، ومن ثم يضيع طرف الخيط يُمكن أن تعرف به كيف تتعامل مع التلميذ، وكيف تتعرف على قدراته ومواهبه لتنميها، وبذلك تفقد المدرسة حلقة اتصال هامة في تربية وتعليم التلاميذ.

(2) المدرسة في حقيقة الأمر مكان تلقيني، أكثر منها مكان تدريبي، وبالتالي فهي مؤسسة تسعي إلى إنتاج نسخ متشابهة من التلاميذ، كما لو كانت مصنعاً لإنتاج الوحدات المادية المتماثلة، مهملة بذلك ما يُسمي بـ «الفروق الفردية Individual differences»، وبالتالي توأد مواهب المتميزين في مهدها، ولا يشذ عن ذلك إلا حالات فردية نادرة!.

(3) تتبع المدارس سياسة ترحيل المشكلات من مرحلة تعليمية إلى أخرى، بمعنى أن المدرسة مُطالبة بأن تكون نسبة نجاح طلابها «100%»، بغض النظر على المستويات الحقيقية للناجحين، وبالتالي فسياسة الغربلة والفرز والتقييم للمهارات الفكرية واليدوية مُغيبة إلى حد بعيد.

(4) يُحدد قبول الطالب في الجامعة على أساس مجموع درجاته في الامتحان الذي يقيس جوانب نظرية تعتمد في الغالب على الحفظ لا على الفهم، وذلك في مدي زمني قصير، وبالتالي لا تُقاسُ قدرات الطالب ومهاراته وملكاته إلا في أضيق الحدود، وعليه فقد يُدفع الطالب في تخصص لا يتفق مع ميوله ولا يتوافق مع رغباته، فيكون التعليم حينئذٍ مُنفراً لا جاذباً، ومُقيداً لا مُطلقاً!.

(5) مناهج التعليم بالجامعات لا تلبي احتياجات سوق العمل من خريجين يمتلكون معارف العصر، بعدما فرضت ثورة المعلومات والاتصالات، والنظم المالية والإدارية الحديثة، وتكنولوجيا الفضاء.. الخ الحاجة إلى تخصصات معينة لا تحرص كثير من الجامعات على تطوير علومها بما يلبى حاجة سوق العمل منها، الأمر الذي خلق هوة عميقة بين ما تراه المؤسسة التعليمية من جهة، و بين ما تراه مؤسسات التوظيف من جهة أخرى، بدليل إجراء اختبارات جديدة لكل تقدم لشغل وظيفة ما، الأمر الذي يمثل رفضاً ضمنياً للتقييم الذي أجرته مؤسسة التعليم من قبل.

ثانياً: وسائل العلاج.. في المقال القادم إن شاء الله.

* باحث في علم الإحصاء

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي