مكافحة التستر: نظام لا يمكن تطبيقه
من يتأمل نظام مكافحة التستر يدرك أنه نظام غير قابل للتطبيق في ظل الظروف الحالية. لنا الادعاء أن ما لا يقل عن 90 في المائة من المحال والورش المنتشرة في شوارعنا تمارس التستر. كل المقاولين والمهنيين تقريبا الذين بنوا بيوت الناس متستر عليهم حسب التعريف النظامي للتستر. من الصعب جدا أن تعمل هذه الأنشطة دون تستر. تطبيق النظام يعني عمليا تعطيل الاقتصاد. لابد من طريق آخر.
لنقرأ ما قاله النظام الصادر في نسخته الأخيرة عام 1425، ولائحته التنفيذية الصادرة عام 1426. نص النظام على التطبيق بعد 180 يوما من النشر، وقد مضت سنوات على نشره.
نصت المادة الأولى من نظام مكافحة التستر على الآتي:
لا يجوز لغير السعودي – في جميع الأحوال – أن يمارس أو يستثمر في أي نشاط غير مرخص له بممارسته أو الاستثمار فيه بموجب نظام الاستثمار الأجنبي أو غيره من الأنظمة واللوائح والقرارات.
ويعد - في تطبيق هذا النظام - متستراً كل من يمكن غير السعودي من الاستثمار في أي نشاط محظور عليه الاستثمار فيه أو ممارسة أ ي نشاط محظور عليه ممارسته، سواء كان ذلك عن طريق استعمال اسمه أو ترخيصه أو سجله التجاري، أو بأي طريقة أخرى.
وقررت اللائحة التنفيذية الصادرة من وزير التجارة أنه يعد من الأنشطة المحظورة وفقا لأحكام المادة الأولى من نظام مكافحة التستر ما يلي:
1ـ كل من مكن غير السعودي من الاستثمار، أو ممارسة أي نشاط محظور عليه ممارسته كالنشاط التجاري أو المهني، أو الصناعي، أو الاقتصادي، أو الزراعي، أو أعمال السمسرة والوساطة، أو الأعمال المصرفية أو البنكية، أو التعليمية، أو النقل، أو غيرها من الأنشطة، سواء عن طريق استعمال اسمه، أو ترخيصه، أو سجله التجاري، أو بأي طريقة أخرى.
2ـ غير السعودي الذي يستثمر أو يمارس نشاطاً تجارياً، أو صناعياً، أو اقتصادياً، أو زراعياً، أو طبياً، أو إعلامياً، أو أعمال السمسرة والوساطة، أو الأعمال المصرفية أو البنكية، أو التعليمية، أو النقل، أو غيرها من الأنشطة باسم مواطن أو مستثمر.
3ـ غير السعودي الذي يعمل بأي طريقة أخرى كالعمل بالنسبة، أو بالقطعة، إذا كان ما يحصل عليه من نسبة أعلى مما يحصل عليه مثيل له كأجير في المتوسط في المملكة، بشرط عدم توافر عنصري التبعية والإشراف من صاحب العمل.
نفهم من المادة الأولى من النظام وشرحها أن هناك نوعين محظورين: الاستثمار والممارسة في أي نشاط اقتصادي باسم مواطن. لي أن أدعي أن نحو نصف النشاط الاقتصادي الأهلي يمارس ويدار بصورة غير نظامية. ما معنى عبارة ''بأي طريقة أخرى'' الواردة في البند الثالث؟ تقريبا كل المهنيين الذي يعملون في المحال الصغيرة والمقاولات يعملون بالقطعة أو النسبة مع المواطنين الذين يطلبون خدماتهم، ويعملون بالنسبة أو مقابل مبلغ مقطوع دوريا (تكسب ريعي) مع المواطنين الذين استقدموهم أو مكنوهم من ممارسة النشاط باسمهم. ومن ثم فعبارة ''إذا كان ما يحصل عليه من نسبة أعلى مما يحصل عليه مثيل له كأجير'' لا أرى لها معنى.
نحن نعتمد على الآخرين اعتمادا شبه كلي في إدارة وتشغيل الأنشطة الصغيرة، كالمطاعم ومغاسل الملابس والورش ومحال الصيانة والإصلاحات بأشكالها كافة، ومحال البيع الصغيرة لأنواع عديدة من السلع، ودكاكين النجارة والحلاقة واللحوم والطباعة والتصوير... إلخ. هذه الأنشطة في العادة باسم مواطنين، ولذا تعتبر من التستر.
حولت طفرة السبعينيات المملكة إلى بلد شديد الجاذبية لكثيرين للعمل فيها. ومع مرور السنين، أصبح المجتمع مفرطا في اتكاليته على الغير. وهناك مشكلات أخرى ناقشها الدكتور عبد العزيز الغدير في مقالتين نشرتا في الخامس والسادس من تشرين الأول (أكتوبر) 2010.
رغب في معالجة الوضع عبر نظام الاستثمار الأجنبي وهيئة للاستثمار، ولكنه نظام خلط بين الاستثمار والترخيص بالممارسة المهنية التي لا تتطلب إلا رأسمال صغير. ممارسة الوافدين للأنشطة المهنية لا تسميها الدول المتطورة اقتصاديا كأستراليا وكندا وأمريكا استثمارا أجنبيا، بل هجرة لعمل أو ممارسة نشاط مهني، وتميز بينها والاستثمارات التي تقوم بها شركات متعددة الجنسية. انظروا مثلا، http://investincanada.gc.ca/eng/establish-a-business.aspx
ما الحل لهذه الإشكاليات والمشكلات؟
طرحت حلول واقتراحات كثيرة في موضوع التوظيف والتستر. مهما كانت الحلول، فإنني أرى أن من شروط نجاحها على المدى البعيد إلغاء أسلوب الكفالة الخاصة بالمؤسسات والأفراد (حسب التسمية السائدة)، وترك الحرية للوافدين في اختيار أين يعملون. ولكن إلغاء الكفالة الخاصة لن ينجح دون تحديد سنوي صارم ودقيق لنوعية وعدد التأشيرات السنوية التي تمنح للأجانب بغرض العمل وممارسة أنشطة مهنية، وأن تكون مدة التأشيرات للإقامة في المملكة بعدة أنواع بناء على اعتبارات كثيرة. ومن يرغب بعد ذلك في توظيف يد عاملة وطنية أو غير وطنية (تحمل إقامة نظامية) فله أن يفعل ذلك إنما من الداخل فقط، كما هو الوضع في دول العالم. والموضوع يتطلب تفاصيل ليس مجالها هنا، وبالله التوفيق،،،