التحليل الاقتصادي وورقة التوت الأخيرة ــ فلسفة ما بعد الحداثة
<a href="mailto:[email protected]">maalabbas@kku.edu.sa</a>
لم يكن التحليل الاقتصادي بشكل عام والفني على وجه الخصوص في أحسن أحواله خلال الأيام الماضية. تضاربت الآراء لتفسير ما يحدث للسوق وظهر العديد من النظريات التي تناقلها المحللون عبر صفحات الصحف أو من خلال القنوات الفضائية والإذاعية، ولا يزال التفسير الأقرب إلى الحقيقة أمرا بعيد المنال حتى الآن. وفي خضم هذا التنافس يبرز سؤال حول أسباب التضارب الحاد في آراء الخبراء, وإذا كانت هذه حال نخبة مفكري الاقتصاد لدينا فكيف بصغار المستثمرين؟ إذا لا تثريب عليهم لو اقترفوا الأخطاء.
إن الأحداث التي مرت وتمر بالسوق المالية خلال الفترة الماضية سوف تلقي بظلالها على وظيفة التحليل الاقتصادي الذي يعد ركيزة من ركائز الثقافة والفكر والتطور الاقتصادي في أي بلد, بل إن المحللين الاقتصاديين مرآة تلك الثقافة وذلك التطور. إن العديد من الشركات حول العالم تتورط في عمليات إدارة الأرباح والإخلال بالمبادئ المحاسبية وقواعد الإفصاح بل والغش أيضا لتتواءم مع رؤية المحلليين حول مستقبلها وتوزيعات الأرباح المتوقعة وقدرتها على الصمود في السوق. ليست هذه بالمهنة السهلة وليست لكل من أرادها. إنها تحتاج إلى خبرات طويلة وتجارب عديدة وتحتاج إلى معلومات كثيرة ومتعددة المصادر. وفوق كل ذلك فهي بحاجة إلى فلسفة ورؤية بعيدة الأفق. ليس التحليل الاقتصادي تخرصات أو رجما بالغيب بل هو صناعة وفن التنبؤ بالمستقبل على أسس علمية وفلسفية عميقة.
ما كان يقوله المحللون خلال الأيام القليلة الماضية, وليعذروني في مقولتي هذه, ليس أكثر مما يعرفه المستثمر العادي. عندما اتجهت السوق صعودا حاصدة النقاط بسرعة كبيرة تسابق المحللون لتحديد الحواجز وأنه إن كسرت تلك النقطة اتجهت السوق صعودا إلى تلك، وإن تحفظ أحدهم قال إن المؤشر سوف يصعد ثم يرتد. وفي المقابل عندما اتجهت الأسعار هبوطا وبشكل حاد تغيرت الآراء مع اتجاه المؤشر. لا جديد في كل ما قيل ذلك إن الجميع يعرفون أن المؤشر عبارة عن نقاط إذا كسرت هذه اتجهنا إلى تلك فلا إضافة هنا, وكأني بالمحللين يقولون ما يعرفه المستثمر البسيط ولكن بطريقة لا يفهمها.
عندما نحلل للاقتصاد السعودي أو السوق السعودية على وجه الخصوص لابد أن نتملك أصول التحليل الفكرية والفلسفية وليس أن نقلد أساليبه ومفاهيمه المعتبرة لدى المحللين في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة. لكل بيئة اقتصادية أدوات تحليل وأساليب تتناسب مع الثقافة السائدة فيها وبلغة اقتصادية ومفاهيمية مستقاة من هذه الثقافة. ليس بالضرورة أن معنى كلمة سهم باللغة العربية وفي البيئة الاقتصادية السعودية تعني كل المعاني الثقافية التي تختزلها كلمة Stock. والمعنى أننا ولا بد أن نعي الثقافة السائدة لدينا وأن نندمج فيها تماما حتى نعي مقاصد الكلمات واستخداماتها وتأثيراتها على تشكيل البيئة الثقافية وقرارات المستثمرين تحت الدراسة وليس مجرد كميات عرض وطلب أو سيولة, وهذا ما تنادي به فلسفة ما بعد الحداثة.
إننا نمارس التحليل الاقتصادي على أسس حداثية في الوقت الذي يتجاوز العالم مثل هذه الأسس. تتوقع الفلسفة الحداثية أن العالم هو العالم سواء في المملكة العربية السعودية أو المملكة المتحدة البريطانية. وترى أن هناك هيكلية في هذا العالم ومتغيرات ثابتة هي المتحكم الأساسي ولا دخل للمحلل أو الباحث في الأمر. بمعنى أن الباحث معزول عن مادة بحثه وكذلك المحلل لا يؤثر فيه بفكره ولا يتأثر به. هذه الفكرة الهيكلية وثبات المتغيرات هي التي تجعل التابعين لتلك الفلسفة يتجاهلون كل المتغيرات الثقافية وأن الباحث يتأثر ويؤثر في بحثه وتحليله. لذلك نجد أن التحليل المستند إلى تلك الفلسفة يستخدم وبإصرار مفاهيم مثل مكررات الربحية، كميات السيولة، الأسهم القيادية، وهكذا متجاهلا أمورا ثقافية مهمة منها معاني الألفاظ وارتباطها بالسلوك والقرارات التي يتخذها المستثمر, بل حتى كلمة المستثمر قد تشير في السوق السعودية إلى مفهوم مختلف عنها في بقية الأسواق العالمية.
نعم لسنا من كوكب آخر ولكن لنا ثقافتنا التي تشكلها مفاهيمنا حول السوق والاستثمار والمضاربات. من دون فهم حقيقي لكل تلك الثقافة لن نتمكن من تقديم حلول جوهرية لما يحصل في السوق. لتوضيح ذلك أشير إلى مقالين أحدهما للكاتب فضل بوعينين في جريدة "الاقتصادية" الذي استخدم مصطلح المضاربين القدامى والآخر للكاتب هاجد العتيبي في جريدة "المدينة" الذي أضاف مصطلح المضاربين الجدد. أنا لست مع أو ضد هذه المصطلحات ولا أستطيع الحكم عليها لغياب المنهجية التي استخدمها الكاتبان للوصول إلى هذه المصطلحات، ومع ذلك فإن بروز هذه المصطلحات بحد ذاته عملية مهمة جدا لأنها تميز الواقع السعودي, فإضافة إلى مصطلح المضاربين الصغار والكبار يوجد لدينا الآن جدد وقدامى وصراع بين هذه الطبقات جميعها. هذا يقودنا إذن لمعرفة مدى الأثر الذي تفرضه مثل هذه الثقافة على السوق. لا يمكن أن يتحقق لنا ذلك حتى نتحرر من ثقافة الحداثة لنتجه إلى ما بعدها ولنترك النظرية الإيجابية positive جانبا ولنستخدم أساليب النظرية الانتقادية Theory Critical أو التفسيرية Interpretative Theory ومنها على سبيل المثال أساليب النظرية المجذرة Grounded Theory لفهم واقعنا و قديم حلول له.
أوجّه من خلال هذا المقال رسالة إلى هيئة السوق بأن تتولى مشروعا تدريبيا للمحلايين الاقتصاديين على تنوعهم، وأدعو مرة أخرى إلى إنشاء بيوت خبرة تتولى القيام بالدراسات اللازمة وتستخدم وتطور أساليب بحثية ومنهجية متطورة.