متعثرون في سداد القروض الشخصية

عدد المتعثرين في سداد القروض الشخصية بلغ 60 ألف شخص حسب إحصائية الشهر الثاني من السنة الحالية، وهو عدد قليل إذا ما قورن بالعدد الإجمالي للمقترضين، كما أن نسبة القروض المتعثرة لإجمالي القروض الممنوحة لا تتجاوز 1.5 في المائة، وهي نسبة قليلة أيضا، ولكن المخاوف من تزايد الضغوط المالية على العملاء أن تؤدي إلى رفع العدد الإجمالي للمتعثرين ونسبة القروض المتعثرة لإجمالي القروض الممنوحة، ومن ثم خلق مشكلة توقف في منح القروض الشخصية مع أن معظم هذه القروض مضمونة بتحويل رواتب العملاء من جهات عملهم إلى البنوك المانحة للقروض. ورغم أن هناك نظام معلومات ائتمانية في غاية الدقة إلا أن عملية التحصيل هي الأهم في ظل تزايد مشكلات الديون على بعض العملاء، وعلى الأخص أولئك الذين حصلوا على قروض لاستثمارها في مضاربات غير محسوبة المخاطر في سوق الأسهم الذي لم يعد مغريا لأقل العملاء طموحا، ولكن تبقى الالتزامات بالسداد قائمة بغض النظر عن وضع الأسواق أو توافر السيولة أو القدرة على حل مشكلة المقترض التي عليه أن يتدبر أمرها مع نفسه ومواجهة التزاماته الشخصية.
إن محاولات البعض البحث عن قروض جديدة لسداد قروض قديمة لن تجدي بل ستضاعف حجم الدين وتضخم الالتزامات وتعقد الأمور أكثر بالنسبة للعملاء المدينين والذين أصبحوا ضمن قائمة العملاء المتعثرين، وهذا يصعب عملية الاستدانة من جديد سواء من داخل المنظومة المصرفية أو من خارجها، ولعل أجدى الحلول التي يمكن الالتجاء إليها هو استبعاد المصروفات الترفية والتركيز على تخفيف حجم الدين قدر المستطاع واتخاذ طريقة تقشف معيشي حتى يمكن تفادي الدخول في مطالبات قضائية تعرض المدين لخطر الإفلاس وانعدام الملاءة المالية والقدرة على الاستمرار في العمل بسبب وجود أحكام قضائية ملزمة له بالتسديد.
لقد تزايد عدد العملاء المتعثرين في السداد لأسباب تتعلق بطريقة الاستثمار والعمل في مجالات فقدت قيمتها مع اشتداد الأزمة المالية، فالوساطة المالية والسمسرة وبعض أسواق الخدمات لم تعد لها فرصة في سوق يعاني الكثيرون فيه النتائج السيئة لأنشطة في القطاع الخاص الذي يعمل فيه بعض المتعثرين ممن فقدوا أعمالهم أو فقدوا مجالات العمل الإضافية التي كانت تسندهم في زيادة الدخل خارج أوقات العمل الرسمي. كما أن هناك عملاء آخرين قد تحملوا وبضمانة مرتباتهم أو مرتبات زوجاتهم ديونا مالية تم استثمارها في سوق الأسهم أو في أسواق هامشية في محافظ لأشخاص، وبناء على ثقة شخصية، وانتهت بهم إلى خسائر مالية محققة وأصبح عليهم مواجهة اندفاعهم غير المحسوب وبدافع الربح الوهمي.
إن الانحناء حتى مرور العاصفة المالية وتغير الأوضاع السوقية واعتدال الأسعار يفرض أن يتجه العملاء نحو التقشف، خصوصا أن معظم العملاء هم في الفئة العمرية بين 20 و40 عاما، وهي الفئة الأكثر احتياجا للتمويل الشخصي، وهي الأكثر عرضة للوقوع في شرك الاندفاع والتهور أو الانخداع والانسياق في وهم تحقيق أرباح بأموال الآخرين وتكبيل أنفسهم بحقوق مالية ترهقهم خلال مدة طويلة من أعمارهم, بل قد تنسحب بآثارها على أبنائهم وتؤثر في تحقيق متطلبات الأسرة الأساسية.
إن تحجيم سقف الإقراض, خصوصا على مستوى الأفراد, وضبط قواعد القروض الشخصية وعدم السماح لها بالتراكم الأفقي والعمودي هي غاية وهدف اقتصادي لا مفر منه، لأن ترك نشاط الإقراض يسير على هواه يسهم في خلق مشكلة ديون واسعة النطاق على مستوى الأفراد، قد تؤدي إلى نتائج سيئة وليست بعيدة الحصول في الواقع, فما حصل في اقتصادات عملاقة قد يحصل في أي مكان في العالم مع اختلاف يسير في حجم الدين ونسبة التعثر إلى جملة القروض الممنوحة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي