الطاقة النووية .. تعقيب وحوار! (2 من 2)

استكمالا للموضوع الذي بدأناه في الأسبوع الماضي حول مزايا الطاقة النووية مقارنة بشقيقتها الطاقة الشمسية، فإنني أكبر في الزميل عثمان الخويطر وقوفه صامداً ينافح باستماتة عن الطاقة الشمسية التي يرى أنها الطاقة الأنسب لمجتمع السعودية، وهي قضية إن جانبها الصواب اليوم فإنها ربما تصبح هي عين الصواب في المستقبل البعيد!
ونعود لنقول إن العالم بدأ يتجه بوعي كامل إلى أهمية الطاقة النووية كوسيلة استراتيجية من وسائل تحقيق المشاريع التي بدأ يعانيها دون استخدام الطاقة النووية، ويقول جون ريتش مدير عام الاتحاد النووي العالمي في هذا الصدد: إن العالم في حاجة إلى بناء مفاعلات نووية إضافية زيادة على الموجود حالياً بمقدار 20 مرة كحد أدنى، وإذا حدث هذا فسوف يتجنب كارثة بيئية قد تؤدي بحياة ملايين البشر بسبب الارتفاع التدريجي في حرارة الأرض أو ما يعرف باسم ظاهرة الاحتباس الحراري الناجمة عن الإسراف في استخدام النفط والفحم والغاز الطبيعي، بل قال ريتش أكثر من ذلك قال: إن الطاقة النووية شهدت نهضة في آسيا خاصة في الصين، وإن الـ 25 عاماً المقبلة ستشهد دخول 40 دولة لنادي الطاقة النووية، وهناك حالياً 442 محطة للطاقة النووية في 30 دولة توفر 16 في المائة من الطاقة العالمية، ويجري حالياً بناء نحو 30 محطة في 11 دولة، وأكد ريتش في معرض حديثه عن مستقبل الطاقة النووية أن العالم سينتقل من المعدل الحالي وهو نحو 443 مفاعلاً إلى أكثر من ألف مفاعل خلال الـ 25 عاماً المقبلة، وخلال منتصف القرن الـ 21 يتوقع ريتش أن تصل المفاعلات على مستوى العالم إلى ما بين 2000 و3000 مفاعل.
ولأن المحطات النووية أصبحت أقل تكلفة وأكثر أمناً وأقل تلوثاً وخطراً على البيئة والمناخ الكوني، فإنه من المحتم أن تتجه المملكة شأنها شأن أي دولة طموحة أخرى إلى الطاقة النووية، ولا شك أن مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة ستسعى إلى وضع خطة شاملة لبرنامج سعودي نووي يضيف إلى طاقة الكهرباء ألف ميجاوات في كل عام، ويساعد على تنفيذ برامج تنموية في كل الأرجاء حتى نقف جنباً إلى جنب مع مصاف ما يسمى بالدول الناشئة.
لقد أفادت التقديرات في وكالة الطاقة الدولية بأن زيادة الطلب العالمي على الطاقة ستصل إلى الثلثين بعد عقود ثلاثة مقبلة حتى عام 2040، ويعني ذلك بالنسبة لقطاع الكهرباء أن المطلوب هو حجم هائل من الاستثمارات لتوليد طاقات جديدة بحلول عام 2030 لتلبية ما مقداره ضعف الطلب الحالي، وبذلك سيرتفع الاستهلاك العالمي من النفط من نحو 84 مليون برميل يومياً حالياً إلى 140 مليون برميل يومياً، وكذلك سيزداد الاستهلاك من الغاز الطبيعي بأكثر من 120 في المائة، وكذلك الفحم بمقدار 60 في المائة تقريباً.
ووفقاً لهذه الزيادات في استهلاك الطاقة الأحفورية، فإن البيئة النظيفة ستدفع ثمناً غالياً، كما أن موارد البترول والغاز الطبيعي ستشارف على النضوب .
وانطلاقاً من التوجه الذي تدعو إليه منظمة الطاقة الدولية، فإن وزراء خارجية الدول العربية اتخذوا في اجتماعهم الذي عقد في أيلول (سبتمبر) 2006 بمقر الجامعة العربية في القاهرة قراراً بضرورة قيام الدول العربية بالتوسع في استخدام الطاقة النووية وبناء المفاعلات النووية لأغراض التنمية، وكانت السعودية إحدى الدول الداعمة والموقعة على هذا القرار، كما أن السعودية إحدى الدول التي لها خبرة عابرة في مجال استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية حينما أنشأت في الستينيات إدارة مستقلة للطاقة النووية ضمن هيكل وزارة البترول والثروة المعدنية.
إن زيادة معدلات استهلاك الطاقة الكهربائية في السعودية بنسبة 7 أو 10 في المائة سنوياً للوفاء باحتياجات المملكة المتزايدة من الكهرباء تعني أن المملكة ستحتاج خلال السنوات العشر المقبلة إلى زيادة نصيبها من الطاقة الكهربائية بما يعادل ألف ميجاوات في العام الواحد وهو رقم يعادل إنتاج محطة كهرباء كبيرة.
ولعل حرص وكالة الطاقة النووية على التوسع في استخدام الطاقة النووية يعود إلى أن الطاقة النووية ستكون وقود التنمية، ودون طاقة نووية لا تقوى الدول على تحقيق معدلات عالية من النمو، لأن الطاقة النووية ستوفر الكهرباء بأسعار زهيدة، وكلنا يعرف أن الكهرباء هي وقود التنمية ودون الكهرباء لن تقوم المصانع ولن تقوم محطات تحلية المياه، ولن تقوم الحياة الاقتصادية والاجتماعية برمتها، بمعنى أن عنوان التنمية في القرن الـ 21 هو التوسع في الطاقة النووية، ولذلك إذا أرادت الدول أن تحكم على نفسها بالتخلف فإنها تمنع نفسها من استخدام الطاقة النووية.
وإذا كان المبرر للانصراف عن الطاقة النووية ــ كما يقول الزميل الخويطر ــ هو عدم وجود كوادر سعودية مدربة في مجالات الطاقة النووية، فإن الدكتور توفيق القصير الخبير السعودي في تكنولوجيا الطاقة النووية تحدث بوضوح بأن الكوادر السعودية في مجال الطاقة النووية تتوافر في سوق العمل السعودية، ولكنها لا شك تحتاج باستمرار إلى مزيد من الخبرة والتدريب ولكن ــ مع ذلك ــ لا ننسى أن الدكتور توفيق أشار باهتمام إلى أقسام الفيزياء والذرة في عدد من الجامعات السعودية ثم طالب بإنشاء المزيد من مراكز الأبحاث المتخصصة في موارد الطاقة الذرية، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا سلمنا بأن الكوادر الفنية المدربة في مجالات الطاقة النووية لا تتوافر لدينا الآن بالقدر الكافي، فهل لدينا الآن كوادر فنية خبيرة بالقدر الكافي في الطاقة الشمسية؟!
يجب أن نعترف بأن المجتمع السعودي هو مجتمع استهلاكي وأنه مجتمع لا ينتج قطع غيار السيارات ولا قطع غيار الجرارات ولا قطع غيار الطائرات ولا قطع غيار الإلكترونيات التي تنتشر في كل الأماكن، ولكن مع أن المجتمع السعودي لا ينتج كل هذه القطع إلاّ أنه استخدمها وتعامل معها واستفاد منها بذكاء. إنني لا أرى مانعاً يمنع من استخدام أيهما أو كليهما إذا أظهرت نتائج دراسات الجدوى الاقتصادية أنها الطاقة الأفضل للاستخدام في السعودية.
وبالمناسبة فإن مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة التي أمر بإنشائها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله في الشهر الماضي تتضمن البحث في الطاقة (المتجددة) التي تشمل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرهما من موارد الطاقة.
وهكذا فإن الهدف الحقيقي للبرنامج النووي السعودي الذي نطالب به .. هو نقل السعودية إلى عصر التكنولوجيا النووية، إضافة إلى إنتاج الكهرباء وتحلية المياه بتكاليف أقل من تكاليف تشغيل المحطات الحرارية، وكذلك دفع برامج التنمية إلى الأمام بقوة لتصبح المملكة ــ بإذن الله ــ من النمور الآسيوية التي تلعب فيها الطاقة النووية دوراً كبيراً لبلوغ أعلى الإنجازات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي