«الشورى» وعلاوات الإصدار

لقد مرت سوقنا المالية بتجربة عملياتية فيما يخص الأطر الفنية التي يتم على أساسها إدراج الشركات وأقيام أسهمها ومقدار علاوات الإصدار وشروط ومعايير أولية تساوقت على فترة تقارب ربع قرن، لكن معظمها طبعا تم إنجازه مع وبعد تأسيس هيئة سوق المال وافتتاح السوق بشكل رسمي.
وإذا كانت الهيئة قد سعت إلى تطوير أداء السوق من جرّاء ما مرت به من أزمات وتوعكات وما شهدته من فوران وإقبال جعل مؤشرها يبلغ 23 نقطة حتى أغرى القاصي والداني، كما جعل مؤشرها يهوي بكارثة أودت بمدخرات وأرصدة كثيرين ونجمت عنها خسائر موجعة جدا .. فإن هذا السياق يحتم على هيئة السوق التأكد من تقييم كل ما تقره من أنظمة ولوائح وفقا لتلك الخبرة وتحت أضواء هاتيك التجربة ومدى ما لقيته من توفيق أو إخفاق، ومن هنا تأتي أهمية مطالبة مجلس الشورى للهيئة قبل أكثر من أسبوعين، أو اقتراحه عليها بأن تلجأ إلى مقيمين معتمدين لعلاوات الإصدار للشركات المزمع إدراجها في السوق.
إن ترك مهمة علاوة الإصدار رجراجة بين الهيئة وبين الشركات نفسها أو بعض المستشارين هنا أو هناك يجعل الاجتهاد المنحاز وربما التخبط سيد الموقف ما يعزز سريان الشائعات السلبية حيال الطريقة التي يتم بها إنضاج مقدار هذه العلاوات على نار المجاملات حيناً وعواطف المحسوبيات ومصالحها الضيقة حيناً آخر.
إن الطريقة التي تم بها حسم أقيام الأسهم وتجزيئها في نطاق هو الأقرب للقاسم المشترك للدخول المحدودة والمتوسطة واستقرارها في حدود الإمكانات المعقولة في متناول ومقدور معظم الناس كانت سببا في اتساع المشاركة الشعبية في الانخراط في الاستثمار في سوق الأسهم، غير أن ترك علاوات الإصدار متحررة من نطاق المعقولية قطع الطريق على الإقبال للاستثمار في الأسهم أو عمل إلى حد بعيد على تعطيل امتيازها كمجال جديد مما أسهم في إحجام قدر كبير من محدودي الدخل، بل شرائح من الطبقة الوسطى أيضا.
حدث هذا لأن الجانب الفني المتعلق بتحديد مقدار علاوة الإصدار تمتع بغض الطرف عنه فيما هو يتطلب إمعان النظر كثيرا فيما يحيط بعملية التقييم كالملاءة المالية للشركة المزمع إدراجها ومدى قوتها ونوعية نشاطها وحجم أعمالها ووزن الأطراف المؤسسة والمالكة لها، فضلا عن سجل الشركة العملي وعمرها في السوق، وبشكل عام السمعة الاستثمارية والإدارية للشركة مما يشكل محاسبيا واقتصاديا جدوى في تحديد مقدار علاوة الإصدار التي ينبغي أن تحظى بها هذه الشركة أو تلك، وإذا كان سقف هذه العلاوة في حده الأعلى حين يقر هو فعلاً في نطاق سعري يتناسب مع كيان الشركة ومتسقا معها أم أنه تمت المبالغة فيه، لأنه حينذاك سيشكل من ناحية تضليلا يغرر بالناس ويخدعهم بالتستر على حقيقة الشركة، بل يبتزهم في جباية أموال دون وجه حق ولا يبرره الوضع الراهن لها، كما أن المبالغة في العلاوة من ناحية أخرى ستكرس اتجاها بالميل نحو المزايدة في مقدار علاوات الإصدار سواءً من باب الطمع والجشع أو من باب الوجاهة.. والأمران معا يدفعان إلى توسيع الذمة بالتدليس في الوزن الحقيقي للشركة وحجمها وتسييد هذا المنحى وتشريعه بحرية السوق!
اللجوء إلى المقيمين المعتمدين لعلاوات الإصدار، لن يجعل دم علاوة الإصدار (فيما لو اتضح أنها لم تكن كما ينبغي أن تكون) يضيع بين القبائل، أي بتحميل الذنب للا أحد وجعله مبنياً للمجهول.. بين هيئة السوق ومستشاريها والشركات والوسطاء وغيرهم ممن قد يحرصون على أن يكون لهم ناقة في التقييم أو جمل.. ذلك أنه حين يتم اعتماد تقييم علاوة الإصدار من مكتب أو مكاتب معتمدة ثم يتبين أن مبالغة مجحفة قد حدثت فاللوم والحساب والعقاب تصبح في هذه الحالة ممكنة لأنها باتت محصورة فمن قام بالتقييم وهو وحده المسؤول عمّا قام به لا سواه.. وطبعا هذا سيجعل مكاتب التقييم المعتمدة أحرص على توخي الدقة في التقييم للحفاظ على المصداقية والثقة والأمانة وكلها طبعا عملات سمعة صعبة يركن إليها دائما وأبدا الأفراد والمؤسسات للاستثمار السوي!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي