أراضي المنح وقضية الإسكان

معرض الرياض للعقارات أتى في وقت ملائم جدا، ليس للتأثير في واقع الركود الذي تعيشه سوق العقار في الوقت الراهن وحسب، بل ليكون مصدرا لعدد من الأفكار لموضوعات هذا المقال الأسبوعي. الملتقى المصاحب للمعرض كان بحق من أفضل المحافل التي شهدتها من ناحية جدية وجودة المحتوى وشفافية وجرأة الطرح والمناقشة، على الرغم من الحضور المخجل لجلسات الملتقى، الذي يرجع فيما يبدو لانشغال أهل السوق بأحداث المعرض من جهة، وفئات الحضور من العامة الذين لا يهمهم مثل هذا الحوار من جهة أخرى. أختص القارئ الكريم في هذه الحلقة من سلسلة المقالات التي بدأتها الأسبوع الماضي حول قضية الإسكان في المملكة بالحديث عن أراضي المنح، انطلاقا من العرض الذي قدمه مدير عام إدارة المنح في وزارة الشؤون البلدية والقروية ضمن فقرات الملتقى، الذي قدم للحضور كثيرا من المعلومات حول أراضي المنح، أقدم للقارئ الكريم هنا بعض المناقشة حولها.
قدم برنامج منح الأراضي الذي تديره وزارة الشؤون البلدية والقروية عددا كبيرا من قطع الأراضي بحسب الأرقام التي أوردها المحاضر الكريم. وعلى سبيل المثال، فإن عدد قطع أراضي المنح التي قدمها البرنامج في مدينة الرياض بلغ نحو مليوني قطعة أرض، ويعادل هذا الرقم نحو ثلاثة أمثال احتياج مدينة الرياض من قطع الأراضي لتلبية حاجة سكان المدينة في مجال الإسكان. وعلى الرغم من الدور الكبير الذي لعبته الوزارة طوال الفترة الماضية في هذا المجال، إلا أن هذه الجهود لم تؤت ثمارها في حل مشكلة الإسكان لا في مدينة الرياض ولا في غيرها من مدن المملكة فهذه الأراضي تقع في الغالب في مناطق بعيدة عن البنية العمرانية للمدينة، وتفتقر إلى الخدمات التي تؤهلها للتطوير والبناء، وغدت بذلك سلعة تجارية للتداول والكسب السريع، وبقيت المشكلة تراوح مكانها بفقد عنصر الأرض، الذي يمثل أحد أهم أركان الحل، ناهيك عن مساهمة هذا النمط من التداول في تضخم أسعار الأراضي نتيجة لشيوع ثقافة المضاربة والتداول والتربح السريع. الظريف ما ذكره المحاضر الكريم من ممارسات اعتادت أن تحدث تحت سمع وبصر الوزارة دون أن تحرك ساكنا حيالها، حيث أشار إلى قيام (شريطية) العقار باستقطاب صغار السن من الحاصلين على منح الأراضي في كتابات العدل، وإغرائهم بالنقد السريع لبيع قطع الأراضي التي حصلوا عليها، خاصة بعد أن يفاجئهم موقع الأرض النائي، وافتقارها حتى إلى التمهيد والتسوية، ناهيك عن بقية الخدمات الأساسية .
تطرق المحاضر الكريم أيضا إلى لائحة التصرف في العقارات البلدية، التي تم إقرارها في وقت سابق، بهدف إشراك القطاع الخاص في عملية تطوير الأراضي، عبر منح المطورين ما لا يزيد على 20 في المائة من مساحة الأراضي المملوكة للبلديات والمتاحة للقطاع الخاص للتطوير. وبطبيعة الحال، فإن هذه اللائحة كان مكتوبا لها الفشل منذ إصدارها، إذ إنه من غير المعقول أن يتم توحيد نسبة العائد للمطور مهما اختلف موقع ومساحة الأرض موضوع التطوير، إذ إن عائد التطوير لأرض تقع في مدينة الرياض يختلف عن أرض تقع في مدينة الزلفي على سبيل المثال. المشكلة الأعمق هي في أن هذه اللائحة تهدف في أساسها إلى حصول الدولة على النسبة العظمى من عائد تطوير الأراضي البلدية في شكل قطع أراض مطورة، يمكن بعد ذلك للبلديات توزيعها على المواطنين وفق برنامج المنح، وهو ما يرسخ أصل المشكلة الذي غفلت عنه حتى الآن كل جهود ومبادرات الحل. تلك المشكلة هي في النمط الذي رسخه برنامج منح الأراضي، إلى جانب برنامج قروض صندوق التنمية العقاري، في بناء المساكن عبر التطوير الفردي، مع كل ما يحمله هذا النمط من هدر في الوقت والجهد والمال والجودة، ومع كل ما نشهده من تهالك وتدهور في البنية العمرانية للمدن السعودية نتيجة انتشار هذا النمط في البناء والتطوير للمساكن.
الجانب الإيجابي فيما أورده المحاضر الكريم تضمن تأكيدا لما أشارت إليه قرارات مجلس الوزراء الموقر في الآونة الأخيرة، التي تربط برنامج منح الأراضي بتوفير المساكن للمواطنين، الأمر الذي يشير إلى توقف برنامج المنح بشكله القديم، والسعي إلى وضع برامج فاعلة لتحقيق هذا الهدف. المشكلة في رأيي المتواضع هي في أن تلك القرارات لم تتضمن الآليات اللازمة لتحقيق هذا الهدف السامي، خاصة أن تلك الآليات تتنازعها اختصاصات وصلاحيات عدد من الجهات والهيئات الحكومية، بما فيها وزارة الشؤون البلدية والقروية، والهيئة العامة للإسكان، ووزارة المالية، وعدد من الجهات الأخرى. وفي رأيي فإن هناك حاجة ملحة إلى دراسة هذا الموضوع بشكل شمولي، لتأسيس آليات مناسبة وعملية لتحقيق هذا الهدف، عبر تنسيق فاعل ومزاوجة حقيقية لكل جهود الدولة المتناثرة، تشمل توظيف الأراضي التي يمكن أن توفرها الدولة عبر المؤسسات البلدية، وتوجيه موارد صندوق التنمية العقارية لتمويل عمليات التطوير والبناء عوضا عن تمويل الأفراد، وتفعيل جهود البحث والتطوير للتوصل إلى حلول هندسية وفنية مبدعة لتحقيق فكرة التيسير في المسكن ورفع كفاءة عملية البناء، وغير ذلك من الجوانب التي ترتبط ارتباطا وثيقا بهذه المشكلة. وعلاوة على ذلك، فإنه من الضروري أن تصل أجهزة الدولة إلى قناعة أكيدة بأن الحل لن يتحقق إلا بمشاركة فاعلة من القطاع الخاص، ليس عبر لوائح شمولية غير فاعلة، لكن عبر شراكة حقيقية متوازنة شراكة الند للند، إذ إنه لا يمكن للدولة أن تحقق جسرا للهوة في الطلب على الإسكان بشكل منفرد مهما سخرت من قدرات، ومهما بذلت من جهود.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي