كيف تجمعت هذه الديون؟
اللهم لا تجعل رزقنا بأيدي أناس مثلك .. اللهم لا تؤمرهم علينا ولا تولهم على أمورنا وأرزاقنا وأبعد الرويبضة عنا.
كان هذا بعض أول تعليق على مقالة بعنوان ''زيادة الرواتب وأوهام عن مالية الحكومة'' نشرت بتاريخ 6/12/2007 في إحدى الصحف المحلية. تذكرت (الاعتداء في) الدعاء السابق عندما سألني سائل كيف صار في اليونان ما صار. كيف تركت الأمر دون ضبط حتى تراكمت ديون بمئات البلايين من الدولارات على الخزانة العامة اليونانية.
ما الجامع بين دعاء القارئ صاحب التعليق الذي صدرت به المقالة وشدة احتجاجات اليونانيين على توجه الحكومة اليونانية نحو التقشف؟ الجامع توهم أن الحكومة على كل شيء قديرة. هذه تعتبر تقريبا من المسلمات لدى الناس. ومن أراد القول بخلافها فالويل له من ألسنة الناس ونقمتهم واتهاماتهم، كما فعل صاحب الدعاء. روي أن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يوما لمجموعة من الكسالى الذين يرون أن الدعاء كفيل وحده بجلب الرزق ''إن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة''.
زعماء (أحزاب وغير أحزاب) يريدون الوصول إلى السلطة أو التشبث بها أو تلميع صورتهم أمام الناس. هم يعرفون أن الناس ينظرون للحكومة كما ينظر الطفل إلى أبيه. أرادوا تحقيق أهدافهم، ولا يمكنهم ذلك دون إرضاء الناس بالعاجل ولو بما لا تحمد عقباه آجلا. والناس لا يرغبون سماع ما لا تحمد عقباه آجلا.
تتذكرون مشروع مساكن لمؤسسة التقاعد؟
ما إن سمع به الناس حتى بنوا عليه جبالا من الأوهام. توهموا أن أموال التقاعد ستحل مشكلات الإسكان، وسيتمكن أغلبية الناس أو المتقاعدون على الأقل من شراء مساكن بتمويلات ميسرة جدا. هذا كله من الأوهام. ولو قالت مؤسسة التقاعد خلاف ذلك لاعتبرتها كاذبة فيما قالت، ببساطة لأنها لا تملك القدرة على تحقيقه.
سألتني إحدى الصحف المحلية عن الموضوع في حينه، فقلت إن مؤسسة التقاعد لن تستطيع الوفاء بالتزاماتها التقاعدية المستقبلية، إذا حاولت تمليك مساكن بشروط تمويل ميسرة تيسيرا ملموسا لشريحة كبيرة من المواطنين أو الموظفين. أما الانتقاء فليس بعدل.
مثل هذا الكلام لا يعجب أكثرية الناس. يحبون من يمنيهم الأماني، وهذا ما حصل في اليونان وانتهى إلى ما انتهى إليه.
وهناك جانب آخر من المشكلات. الفساد الوظيفي، فاليونان من أكثر الدول الأوربية فسادا في الذمة. والفساد أضر بالخزانة العامة من طرفي الميزانية الإيرادات والمصروفات. ومع قلة الرشد في جمع وصرف المال تزداد الرغبة في الاستدانة.
والسؤال التالي كيف قدرت الحكومة اليونانية أن تفعل ما فعلته، أي كيف أخفت اليونان ديونها؟
كان هذا مثار تساؤل كبير عريض. من التفسيرات ما نقلته الأخبار أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يبحث في مدى ضلوع بنوك أميركية كبرى مثل غولدمان ساكس في مساعدة اليونان على إخفاء العجز المالي لديها خلال العقد الماضي، مما أدى إلى الأزمة المالية الراهنة التي تهدد منطقة اليورو برمتها.
ما شاء الله. اتهامات لبنوك كبرى بأنها أغرت حكومات بالاستدانة منها، وقدمت في الوقت نفسه لها المساعدة على كيفية إخفاء هذه الديون عن العالم. الاقتصاد اليوناني ليس بمتانة الاقتصاد الألماني مثلا، ولكن اليونان كانت راغبة في الانضمام لمنطقة اليورو، وهذا الانضمام له متطلبات وشروط. ويتهم بنك غولدمان ساكس بمساعدة اليونان بهدف تمكنها من تلبية شروط الانضمام.
وكما أشارت ''فايننشال تايمز'' البريطانية، الاتهامات موجهة إلى بنوك أخرى أيضا. وتقوم الاتهامات على قيام تلك البنوك باستخدام أدوات مالية تساعد على إخفاء حقيقة العجز في الميزانية. ويتوقع أن تلك الأدوات المالية مطابقة تقريبا لأدوات أفضت إلى تفجر الأزمة المالية العالمية قبل نحو عامين.
وقال برنانكي رئيس مجلس الاحتياطي في شهادته أمام الكونغرس إن مجلس الاحتياط الاتحادي وهيئة سوق المال يحاولان معرفة ما إذا كانت اتفاقات المشتقات مع البنوك الكبرى ساعدت على إخفاء المشكلات المالية التي تواجهها اليونان. وذكر أنه لاحظ أن عدم الاستقرار في أسواق الديون اليونانية وغيرها من الأسواق المالية قد زاد من تداول المشتقات الأخرى، والمعروفة باسم مقايضة العجز عن سداد القروض، التي تعوض المستثمرين في حالة التقصير. وهذا العمل قد يؤدي إلى ضرب استقرار شركة أو دولة.
لكن بنك غولدمان ساكس رد بأن مبادلة العملات لعبت دورا ثانويا في الأزمة المالية الحالية باليونان، مؤكدا أن تلك المعاملات كانت متماشية مع الأنظمة الأوروبية.
طبعا ليس بإمكان اليونان أن تقابل تأثير شدة الانضباط في المالية العامة بتخفيف التشديد في السياسة النقدية، أو خفض عمليتها، والسبب معروف فهي عضو في مجموعة اليورو. كان اللجوء إلى استدانة مخفية عن أنظار العالم ولكن تراكم الديون فجر الأوضاع لاحقا. الديون تضغط تجاه الانضباط الشديد في المالية العامة. وهذا سيتسبب في ركود اقتصادي. وهذا بدوره يضعف المالية العامة.
الانضباط في المالية العامة يعني عدم الجري وراء إرضاء الناس كما لو أن الموارد لا حدود لها، ويعني في الوقت نفسه محاربة الفساد والتسيب الوظيفي والإداري. وبالله التوفيق.