الوساطة السعودية في المشكلة الأفغانية
المطروح الآن هو طلب وساطة المملكة بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان. فما مؤهلات المملكة للقيام بهذا الدور؟ وما فرص النجاح في هذه المهمة؟ فمن المعلوم أن الصراع في أفغانستان أصبح يتطلب التوافق بين طالبان وكرزاي وهو ما اقترحته واعترفت به واشنطن على أساس أن الحل العسكري وحده مستحيل. ولذلك فإن فكرة أن تقوم المملكة بالوساطة ترددت منذ شهور ولكنها نوقشت بشكل رسمي في مؤتمر لندن الذي بحث الملف الأفغاني والملف اليمني.
وقد فكر مؤتمر لندن مثلما فكر كرزاي من قبل في أن السعودية هي التي تستطيع أن تحل هذه المشكلة، قياساً على دور المملكة في دعم الجهاد الأفغاني ومساندة المقاومة الأفغانية ضد الغزو السوفيتي لأفغانستان قبل 30 عاماً، والحق أننا يجب أن نميز بين مؤهلات المملكة للوساطة، وبين مستقبل هذه الوساطة المعقدة، حتى لا نحمل المملكة نتيجة تعقيدات ليست مسؤولة عنها. ولكننا نثق بقدرة المملكة أيضاً علي القراءة الواقعية الصحيحة للساحة الأفغانية. أما مؤهلات المملكة فهي أنها زعيم العالم الإسلامي بلا منازع، وأنها تمد جسوراً مع كل الدول قاطبة، وطرف في ملفاتها وخاصة الملفات الإسلامية. سبق أن فصلنا في "الاقتصادية" بمناسبة قمة العشرين الأوراق التي تملكها المملكة لكي تقوم بأدوار مختلفة علي المستوى العالمي. المؤهل الثاني، هو أن المملكة ليست دولة صدامية وليس لها مشاكل مع أحد، وإنما تدعو إلى تسوية المشاكل ودياً ولها رصيد هائل في المصالحات العربية، كما أنها بذلك قوة مهمة للاستقرار والسلام فضلاً عن برنامج خادم الحرمين الشريفين في الحوار بين الأديان والدول وليس استخدام القوة. أما المؤهل الثالث، فهو علاقات المملكة الطيبة مع كل من كرزاي وطالبان، حيث كانت المملكة واحدة من ثلاث دول اعترفت بحكومة طالبان وهي إلى جانب المملكة باكستان والإمارات. المؤهل الرابع، هو مساهمة المملكة في تحرير أفغانستان من الاحتلال السوفيتي، وقد شهدت بنفسي عندما كنت المستشار القانوني لمنظمة المؤتمر الإسلامي طوال النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي جهود المملكة على المستوى الدبلوماسي في هذا الشأن وعلاقتها الحميمة بكل القيادات الأفغانية الوطنية.
ولذلك عندما قبلت المملكة القيام بهذا الدور، فإنها كانت مستعدة لذلك ومؤهلة للقيام به، وإنما كان لابد أن تضع شرطين ضروريين هما: الأول، يتعلق بطالبان وهو أن تقطع علاقتها بالقاعدة، وهذا شرط منطقي لأن القاعدة تحيط بها الشبهات كما أن أوباما يركز في مكافحة الإرهاب على القاعدة وليس طالبان حتى يفتح الطريق أمام القوى الوطنية في أفغانستان ما دامت القاعدة غريبة وضيفاً على أفغانستان، وهي السبب الأساسي أو إن شئت فقل الذريعة لإسقاط نظام طالبان وغزو أفغانستان. أما الشرط الثاني، فيتعلق بكرزاي وهو شرط إجرائي ويتحصل في أن يطلب كرزاي رسمياً الوساطة من المملكة. ومعنى ذلك أن استعداد المملكة للوساطة يقابله ترحيب من جانب طرفي النزاع، ولو شاءت طالبان أن يكون لها موقف آخر لأعلنته أو لتحفظت على الشرط السعودي.
هكذا تتوافر فرص نجاح الوساطة من حيث المتطلبات ولكن المملكة ليست مسؤولة عن تعقيدات أخرى ليست طرفاً فيها.