العزة اللغوية
قرأت إعلانا نشر في مكان بارز على مدخل أحد تجمعات الأسواق الحديثة في القاهرة يقول: "نعلِّم الفرنسية مجانا" وأوضح الإعلان إجراءات الاتصال بالمركز وخطوات الالتحاق ومواعيد بدء الدورات.. إلخ.
لفت نظري هذا الاهتمام من جانب الحكومة الفرنسية لتحقيق الاختراق الفرانكفوني عبر اللغة في أنحاء العالم، وبدأت أتأمل في التكلفة المالية لمثل هذا المشروع من حيث الأماكن والكتب وأجور المعلمين وغيرها، وأتساءل: ما العائد الذي ترمي إليه فرنسا؟ والإجابة تفتح الباب على مصراعيه أمام التكهنات، هل هي حماية اللغة بطريقة خير وسيلة للدفاع هي الهجوم؟ أم هي تعويض عن امبراطورية سياسية وجغرافية واقتصادية مترامية الأطراف يجري استعواضها بجمهورية فرنسية عالمية على أساس ثقافي؟ وهل هي هجوم على اللغات المحلية وتكريس فكرة وجود لغات عالمية لا بد منها لتستمر الحياة؟ أم هي نوبة وطنية شوفينية تنتاب فرنسا بين وقت وآخر فتصيح وتقول نحن هنا؟ أم لعلها آخر وشيجة تريد فرنسا من ورائها ربط مستعمراتها السابقة التي أصبحت 25 دولة مستقلة؟
زاد من احتدام القضية في ذهني ما قاله لي أحد باعة الكتب المستعملة على سور الأزبكية الشهير الذي كان، وما زال إلى حد ما، يمثل البنية الأساسية لفقراء المثقفين وما أكثرهم، قال الرجل عندما سألته عن مصدر عدد هائل من الكتب وردت له حديثا "إن المعهد البريطاني يعطيها لنا مجانا شريطة أن نحسن توزيعها". وعندما سألته عن معيار حسن التوزيع في رأيهم، قال أن نبيعها للمثقف الذي تتاح له فرصة التعبير في الصحف والإذاعة والتلفزيون حتى ينطلق بأفكار الكتب إلى آفاق أوسع، لأن معظم الأفكار الواردة في الكتب تمثل نماذج الفكر والحياة الإنجليزية سواء من خلال الأدب "قصة وشعر ونثر.. إلخ" أو النثر العلمي. هذا عن فرنسا وإنجلترا أما ألمانيا فلا تفوتني عبارة شهيرة على لسان أوتوفون بسمارك موحد ألمانيا بعدما سحق جيوش فرنسا في سيدان عام 1870، حيث قال "لقد انتصرنا على الفرنسيين بقوة المعلم الألماني الذي أحسن تعليم أبنائنا لغتهم، وأتبعها تعليمهم الاعتزاز بها، فحاربوا بضراوة لاستعادة الألزاس التي يتحدث 90 في المائة من السكان فيها الألمانية، واللورين التي يتحدث 20 في المائة منها الألمانية".
ومصداقا لمقولة بسمارك يجد الزائر لألمانيا صعوبة في التحدث بلغات غير ألمانية، فالألماني يستنكر محاولة التحدث إليه بالفرنسية أو الإنجليزية ويعتز بالألمانية، لذلك نشطت سلسلة معاهد جوته في تنظيم دورات تعليم الألمانية في العالم أجمع فضلا عن سلسلة مدارس ألمانية للبنين والبنات تنتشر في بلادنا، وهي الأرخص والأقوى تعليما بإجماع المجربين.
أما عدونا الذي يقاتلنا على جميع الجبهات وهو التجمع الصهيوني المتحالف مع فئات ضالة من اليمين الأمريكي المحافظ فله قصة جديرة بالنشر من منطلق دور الإعلام في التعريف بحيل ومخططات العدو. تبدأ القصة عام 1882 وهو العام الذي دخلت فيه قوات الاحتلال الإنجليزي مصر بعدما انتصرت جيوش الجنرال سيمور على أحمد عرابي, بعد التذرُّع بعدم قدرة مصر على حماية الأجانب والمسيحيين واليهود، لأن حوذيا مصريا ضرب مقيما مالطيا يتمتع بالحماية الإنجليزية "لاحظوا حجج المستعمر المتشابهة".
وفي الوقت نفسه كانت أرض فلسطين تشهد مولد لغة اليهود العبرية، فقد بدأ يهودي يدعى أليعازر بن يهودا المطالبة بأن تكون لليهود لغة قومية وإلا فلن تتاح لهم فرصة الاستقلال بدولة.
حدث هذا قبل اجتماع بال في سويسرا الذي يعتبر بإجماع الرأي بداية الفكرة الصهيونية بإنشاء وطن لليهود، وهو اجتماع تم تحت رئاسة تيودور هيرتزل أحد رموز الصهيونية والمؤسس الفكري والمعنوي لإسرائيل. في عام 1884 نجح أليعازر بن يهودا في تجميع أول قاموس للغة العبرية وسرعان ما حوله إلى قاموس وموسوعة من 16 جزءا زادت في عام 1916 إلى 20 جزءا، ولاحظ أن اللغة العبرية التي أيقظها من سبات عميق وأفاقها من موت فعلي قاصرة عن التعبير في الكثير من المواقف، لأن مفرداتها محدودة بفكر وأفق آخر من تحدثوا بها في الماضي، فشرع بن يهودا في تغذيتها بمفردات من لغات أخرى مثل العربية، الفارسية، الروسية، الألمانية، الإنجليزية، الفرنسية، والبولندية، ولغات دويلات البلطيق والقوقاز والبلقان، حتى أصبحت لغة قابلة للتداول.
هنا قرر أليعازر بن يهودا أن ينشئ بيتا لا يتحدث إلا العبرية، بدأ بنفسه وزوجته وأولاده ثم حول البيت إلى مجموعة بيوت ثم إلى ناد متخصص يعلم العبرية، وتحول النادي إلى جمعية شرطها الأوحد التحدث بالعبرية دون غيرها، وكانت الحركة الصهيونية قد بدأت إنشاء مستوطناتها وأولاها عام 1907، ثم كان تبني الجامعة العبرية اللغة التي تحمل اسمها وكانت تعلمها على مستويين كما شرح لنا أستاذنا الراحل الدكتور حسن ظاظا, مستوى كلية التربية وأكاديميات التعليم، حيث كانت أكثر سهولة وقربا للمتحدثين بلغات أخرى ومستوى كليات الآداب التي كانت موغلة في التخصصية والغموض التاريخي. قامت هذه الجامعة بعمل دورات للمهاجرين اليهود الذين وفدوا من كل حدب وصوب. وحرصت مجموعة الصهاينة الرواد التي ضمت وايزمان وبن جوريون وجولدا مائير وشاريت وسابير وأشكول ونافون الأب وأيجال أللون.. إلخ، على تعليم اللغة في إطار سياسي اعتزازي تفاخري لتصبح لبنة بناء في الصرح الذي قرروا بناءه على أنقاض حقوق الفلسطينيين.
ومن بين المقدسات والقرارات ذات المغزى إطلاق اسم عبراني على كل تلة ووادي وجبل وقرية ومدينة وموقع أثري وبئر ومزرعة وممر وجسر ومعبر وشاطئ وطريق .. إلخ، وأصبحت الخليل هبرون وعسقلان. أشكيلون وأريحا جيريكو والقدس أورشليم, واختيرت الأسماء العبرية لتدلل على المدن مثل هرتزيليا ونتانيا وعلى المستوطنات كفار روبين وبتاح تكفا وقلاع فلسطين أصبحت هتسور.
لقد انتقلوا من إحياء ميت إلى إماتة حي، وبكل ما جُبلوا عليه من ضراوة وانعدام ضمير استمروا في عملية طمس المعالم باستخدام سلاح اللغة. وفي رأيي أننا ينبغي أن نحارب بضراوة هذه المعركة وأن يعيد خبراء الخرائط والجغرافيا الأسماء العربية لكل بقعة في أرض فلسطين، والأهم من ذلك أن نستوعب درس الإحياء والموت الذي يمكن أن يمارس على اللغات، فاللغات تموت لثلاثة أسباب: الأول، الهزيمة العسكرية الساحقة واستسلام أصحاب اللغة للغة المنتصر. الثاني، الشيخوخة كما حدث للغة اللاتينية والآرامية والسريانية. والثالث، إدخال الألفاظ الأجنبية لتحل محل الألفاظ الأصلية.
لذلك لم يكن غريبا أن يوبخ الرئيس الفرنسي الراحل ديجول أحد كبار وزرائه لاستخدامه لفظا إنجليزيا في أحد خطاباته، ثم أمر بإنشاء جهاز لمطاردة الألفاظ الوافدة وإخراجها من ثنايا اللغة الفرنسية.
ملحوظة أخيرة وهي أن الهند بسكانها الذين تجاوزوا مليار نسمة ما زالت قزما لغويا يعتمد على لغة المستعمر السابق ويقتل مئات اللغات المحلية، وأن اللغة العربية مقاتل شرس لم تفلح محاولات إضعافه، وهي محفوظة بالقرآن الكريم وتطلب منا أن نعي ما يحاك حولها من مؤامرات لتلحق بركب اللغات الهندية والإفريقية المتداعية.