نظموا القروض الاستهلاكية
من الأعراض الجزئية في سوقنا المالية، "السيولة" في سوق أسهم لا تستوعب كل الأموال التي تضخ إليه، وتهدد بخطر التضخم، ونصف إمدادات "السيولة" تأتي برامج تسويق القروض للمضاربين من قبل البنوك، التي فتحت باب الإقراض، والتسهيلات على مصراعيه لمضاربي الأسهم الصغار والكبار على حد سواء.
قيمة القروض، أو التسهيلات كما تسمى تساوي مبلغ رأس المال المستثمر مرهونا، وينعكس وجودها سلبا على صحة السوق المالية، من حقيقة أن هذه القروض ليست قروض استثمار بل استهلاك حتى وإن سميت استثمارا تجاوزا.
والخلل جاء من أن البنوك نفسها لا تراقب الاستثمار ونوعه، بل تترك قرارات المستثمر في يده، وهي في الغالب قرارات شخصية لا تعتني بكل عملية الاستثمار، وصحة توظيف المستثمر للأموال المقترضة، وأخطرها لجوء المستثمر إلى أسهم شركات ضعيفة، أو خاسرة للمضاربة يخسر بسببها كل شيء ويفلس.
في حالة الإقراض هذه، تكون البنوك في الغالب طرفا في المضاربة مع المستثمر، مع أن نظم البنوك وقواعدها تؤكد على الاستثمار الآمن حتى لا تكون خرابا على عميلها، وكلية الاقتصاد، كما أن نظمها لا تسمح بالمضاربة.
موضوع إقراض البنوك للمستثمرين في سوق الأسهم بالذات يحتاج إلى إعادة نظر تنظيمية من قبل مؤسسة النقد العربي السعودي، ومراقبة فاحصة من هيئة سوق المال، وهي مسألة ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى للاحتفاظ بمستوى صحي من الاستثمار، ودرء المخاطر عن سوق المال، وعن البنوك نفسها من جوائح السوق.
من المؤكد أن سوق المال السعودية مزدهرة، ويتوقع لها كثيرون أن تكون قوة تستقطب مستثمرين أجانب وعرب، وتخطيطنا السليم لنصير قوة فاعلة يستلزم نظم حماية الاستثمار، وعلى قول المثل الشعبي (العلة ما تجي إلا من البطن) فإننا يجب أن نعالج بطننا الطماع في البنوك التي صارت قروضها تسيل لعاب المستثمرين، والمقامرين على حد سواء، وبضمانات رأس المال نفسه، أي أنها قروض سيولة مالية غير منتجة.
تحديد النظم الداخلية للقروض الاستهلاكية، ومنها قروض المضاربة بالأسهم، سيدرأ عنا خطر التضخم، ويساعد كثيرا على أمان السوق من الهزات والعثرات.
هناك مجالات كثيرة لقروض الاستثمار غير المضاربة، مثل بناء صناعات، أو تطوير منشآت، أو الاستثمار في السياحة والترفيه، الإسكان، وكلها مجالات ما زالت تحتاج من البنوك إلى نظرة فاحصة، وستجدها خيرا من التركيز على القروض الاستهلاكية التي بلغ حجمها المليارات، وهي تهديد صريح للاقتصاد المحلي، وآخر مقترحاتي في هذا الخصوص أن تبث هيئة سوق المال برامج توعية للمستثمرين حول خطر الاقتراض للمضاربة، لأن المضاربة حالة تأكل فيها السوق من لحمها، وليس لها عائد إنتاجي يصب في المصلحة العامة، والبنوك من جانبها عليها أن تنظر إلى مسؤوليتها الاجتماعية في الوطن، وأن تقدم تسهيلاتها في المجالات النافعة فقط، وتبتعد عن طمع العائد السريع من الشريك المضارب، خصوصا أن النظام يسمح لها بإدارة صناديق الاستثمار بصفتها خدمات عملاء تجني منها عوائد كافية.