أوباما في مواجهة «وول ستريت»

يبدو أن أوباما يرى ''وول ستريت'' الحي المالي الشهير في مدينة نيويورك مثل حليمة التي عادت لعادتها القديمة. رأى في أساطين البنوك الأمريكية الكبرى عودة إلى ممارسات كان لها نصيب في إشعال فتيل الأزمة المالية العالمية، فقابل هذه العودة بتشدد أقوى.
كان منحى المطالبة بتشديد التنظيمات البنكية عنصرا أساسيا في حملة الديمقراطيين لانتخاب مرشحهم أوباما. هذا المنحى أخذ مسارا أقوى الأسبوع الماضي، حيث عرض أوباما مبادئ يقوم عليها إعادة تشكيل REFORM (أو ما يترجم أحيانا إصلاح) التنظيمات المالية. هي الأقوى منذ واقعة الكساد الكبير في الثلاثينيات من القرن الميلادي الماضي.
في عمق الأزمة المالية العالمية تداعى الضعف على بنوك من العيار الثقيل عالميا، فكادت تنهار. تدخلت الحكومات فأنقذت هذه البنوك من الانهيار، واتجهت الأوضاع في الأشهر الماضية إلى الخروج من نفق الأزمة. أعادت تلك البنوك ترتيباتها وأعادت تجميع نفسها بسرعة أثارت العجب والاستغراب، وعادت الأرباح إلى الصعود، ورجعت سياسات منح المكافآت والحوافز بقوة. واستقوى القطاع البنكي لمعارضة إعادة تشكيل النظام المالي بصورة متطرفة في نظر القطاع البنكي.
عرض أوباما تصورا جديدا أقوى لتعزيز سلطات أجهزة الرقابة المصرفية من أجل الحد من نطاق المخاطرة في المؤسسات المصرفية والحد من تضخم حجم البنوك, في إطار حزمة من التنظيمات لإعادة تشكيل النظام البنكي، ومنع ما يرى أنه رهن الاقتصاد لبنوك كبيرة بما لا يسمح بانهيارها لضخامتها. وفي إطار هذا المنع، تسعى الحكومة الأمريكية إلى وضع عقبات لتحول بنك في الولايات المتحدة إلى كيان ضخم يمكن أن يمثل في حالة انهياره تهديدا كبيرا للبناء المالي كله. وربما كانت أهم القيود فرض قيود على التزامات هذه البنوك ومنع البنوك التجارية من التعامل في الأصول أو التعامل على حساباتها المصرفية.
وقد شدد الرئيس الأمريكي من عزمه على إعادة بناء النظام البنكي، حيث يرى إشارات على عودة حليمة لعادتها القديمة. هناك أرباح قياسية في الوقت الذي تدعي فيه بنوك متخمة بالأرباح أنها لا يمكن أن تساعد أكثر في الأعمال التجارية الصغيرة، ولا قبل لها بخفض فوائد بطاقات الائتمان، أو إرجاع ما دفعته لها الحكومة من أموال دافعي الضرائب.
ووفقا لمسؤولي وزارة الخزانة، تم ضخ نحو 205 مليارات دولار لـ 707 بنوك في إطار خطط الإنقاذ الحكومية للقطاع المصرفي خلال السنة الأولى من ولاية الرئيس أوباما.
وقد اقترحت إدارة أوباما الأسبوع الماضي فرض ضريبة جديدة على البنوك الكبرى التي حصلت على مساعدات من الحكومة باسم ''رسوم المسؤولية''. طبعا المسؤولية عن الأزمة المالية. وهناك طبعا من يرى أن السبب الأول في الأزمة، الحكومة، حينما تدخلت تدخلات أنتجت هذه الممارسات غير المسؤولة. والأمر أحيانا يبدو مثل لغز الدجاجة والبيضة.
تدخلات الحكومة اشتدت بعد الكساد الكبير في عقد الثلاثينيات بصورة زيادة التنظيمات والقيود الحكومية على أعمال البنوك. إلا أنه كانت هناك حركة تطالب بتخفيف التنظيمات، استنادا إلى مبدأ أن البنوك والمؤسسات المالية أدرى بمصلحتها. من أول التنظيمات المالية الكبيرة قانون تم تبنيه عام 1982، وخفف كثيرا من القيود على بنوك الادخار والإقراض. ثم كانت سياسة إدارة الرئيس كلينتون في تخفيف القيود على الرهن العقاري مصحوبة بضغوط على البنوك بغرض توسيع ملكية المنازل لأصحاب المخاطر الكبيرة. وقد أدت هذه السياسات إلى سلوك متهور. وأسهم النمو الاقتصادي العالمي القوي المستمر خلال السنوات الماضية في زيادة الرغبة في ركوب المخاطر.
ومهما يكن الأمر، فإن مقترحات إدارة أوباما ترمي إلى تعويض جزء مما خسرته الخزانة العامة الأمريكية في مساعيها لإخراج النظام المالي الأمريكي من الأزمة العنيفة التي تلت إعلان إفلاس بنك ليمان براذرز العملاق في 15 أيلول (سبتمبر) 2008.
التحرك لفرض رسوم ينظر إليه على أنه بديل لفرض ضريبة صفقات مالية أو ضريبة على حوافز البنوك، كما هو الحال في بريطانيا. وهذا البديل البريطاني له آثار غير مرغوب فيها على الاقتصاد من وجهة وزارة الخزانة الأمريكية. وإذا وافق الكونجرس على خطة أوباما، فستسترجع الحكومة بموجب الخطة نحو 90 مليار دولار من مؤسسات مالية كبرى.
هذا التحرك، كما تقول إدارة أوباما، لا يهدف لمعاقبة البنوك، بل إلى منع العودة إلى ما كانت تمارسه حليمة، كاستئناف ممارسات الإقراض العالية المخاطر والرهانات الكبيرة على الرهون العقارية وغيرها من التصرفات التي كانت وراء الأزمة المالية.
وقد قدمت وزارة الخزانة إلى الكونجرس تقريرا بين أن مخصصات (اعتمادات) الحكومة الأمريكية للبنوك ضمن خطة الإنقاذ بلغت 545 مليار دولار حتى مطلع هذا العام السادس من كانون الثاني (يناير) الجاري. وقد تم إنفاق 372 مليار دولار من هذا المبلغ وأعادت البنوك نحو 165 مليار دولار منها.
يساند مستشار أوباما الاقتصادي بول فولكر وهو رئيس سابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي المقترح بقوة. وقد كان صاحب صوت عال في المطالبة بالحد مما وصفها بالعمليات الشبيهة بالقمار في البنوك الكبرى، والتي كادت تحطم النظام المالي.
كان فولكر خارج دائرة صنع القرار معظم الفترة الماضية من حكم الرئيس، لكنه ظهر بجانب الرئيس أوباما الأسبوع الماضي. ومن ثم كانت استنتاجات أن هناك نوعا ما تغيير وانتقال في القوة داخل الإدارة الأمريكية.
فور قيام أوباما بإعلان عرضه، تعرض الدولار إلى ضغوط، حيث تراجع قليلا، مع تجنب المستثمرين التعاملات التي تنطوي على مخاطر إضافية. كما انخفضت أسهم بنوك ''وول ستريت''.
من المؤكد أن القطاع المالي سيعمل على محاربة مقترحات أوباما، وهي مقترحات لا تتوافر عنها تفاصيل في الوقت الحاضر.
أما خارج أمريكا، فقد أثنى ستراوس المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي على مقترحات أوباما لفرض رسوم على المؤسسات المالية الأمريكية الكبرى. ومن المتوقع أن يتبنى الصندوق نوعا من هذه السياسات وستتوالى الدول التي تطبقها بشكل أو آخر.
وللفائدة، يطلب الصندوق عبر موقعه الإلكتروني مرئيات الجمهور حول فرض ضرائب على القطاع المالي. وطلب الصندوق يأتي في إطار إعداد دراسة حول الموضوع بتكليف من مجموعة العشرين في قمة أيلول (سبتمبر) 2009، حيث الشعور بأن على القطاع المالي أن يدفع مقابل الأعباء التي تنشأ من تدخل الحكومات لإصلاح النظام البنكي.
فما رأي القارئ الكريم؟ وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي