جهاز للمتابعة.. « قول وفعل»

عندما أقر مجلس الوزراء الموقر استراتيجية مكافحة الفساد وحماية النزاهة فقد كان يضع الأسس المرجعية للإصلاح الإداري في الأجهزة الحكومية مثلما هو كذلك في القطاع الخاص.
وفي غضون السنوات الماضية أخذت لجنة الإصلاح الإداري التي يرأسها سمو ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز، على عاتقها إنقاذ المهام التي أنشئت من أجلها هذه اللجنة وقامت بأدوار حيوية شملت إعادة هيكلة بعض الأجهزة الحكومية وتعديل أسماء بعضها بإضافة عدد من الصلاحيات إليها أو حذفها عنها، فضلا عن التوجيه باعتماد الجودة والكفاءة في الأداء معيارا ومقياسا في شغل الوظيفة، خصوصا في المواقع القيادية وذات المساس المباشر بالخدمات العامة أو الشؤون المالية وأوجه الصرف في هذه الجهة أو تلك، كما ركزت اللجنة على أهمية الانضباط مع أنظمة العمل الرسمي وأوقات الدوام، والتشديد على المبادرة والسرعة في إنجاز مصالح المواطنين والحذر من تأخيرها.
هذا الشق الحكومي في محاولة تحسين بيئة العمل وتفعيل جودة الأداء ونزاهته أسهم معه شق أدبي آخر تمثل في الندوات والمقالات في الصحف وكذلك الدراسات ودورات التدريب، وكلها كانت تستهدف خلق عمل نوعي وكفؤ يقدم مخرجات لها مميزات تنافسية سواء فيما تعكسه من آثار في المجالات التي تهتم بها، أو ما تقدمه للقوى السعودية العاملة من جرعات معنوية تشكل لهم دافعا مستمرا على جودة الإنتاج وكفاءة الأداء، حيث إن كلا من المخرجات والقوى الوطنية العاملة تشكلان معا في النهاية حصانة مصدرها النجاح تسد الطريق على التراخي والتسيب ولا تجعل للإهمال باباً ولا نافذة، وهو إن وجد ينفضح أمره في مثل هذه البيئة النظيفة ومع مثل قوى عاملة مخلصة كهذه.
غير أن التقرير السنوي الـ 49 لديوان المراقبة العامة الذي تسلمه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، من رئيس الديوان في مكتبه في الرياض مطلع هذا الأسبوع (السبت)، كشف عن أن بعض الأجهزة الحكومية وبعض الشركات التي للدولة مساهمات فيها تعاني ثغرات وخروقات نظامية أو مالية أو إدارية أو فنية، مثل هذا التقرير بما حواه يشير إلى أن استراتيجية مكافحة الفساد وحماية النزاهة، تعمل فعلا وفق مرتكزاتها في اتجاه إجرائي، يعمد إلى الشفافية والمصارحة ووضع النقاط على الحروف، وإن الإصلاح الإداري، من جانبه الرقابي، بهكذا إجراء، يضرب المثل على الاستجابة إلى شرف التوجيه والتكليف، لذا قدم الديوان ملاحظاته من هذا المنطلق فكانت كالتالي:
1 - صرف عدد من الجهات الحكومية مبالغ دون وجه حق أو الالتزام بها دون سند نظامي.
2 - تأخير تنفيذ عديد من المشاريع وتعثر بعضها وتدني جودة التنفيذ.
3 - ضعف المتابعة الجادة والتراخي في تطبيق أحكام عقود المشاريع.
4 - ضعف تعاون عدد من الجهات الحكومية مع الديوان وعدم تجاوبها في معالجة المخالفات والتجاوزات المتكررة وفق الأنظمة المرعية.
5 - ضعف الرقابة الوقائية الداخلية في كثير من الأجهزة الحكومية التنفيذية.
6 - ضعف تحصيل إيرادات الخزانة العامة وتوريدها في المواعيد المقررة لذلك.
7 - عدم تقيد عدد من الأجهزة الحكومية بالأنظمة المالية وتعليمات تنفيذ الميزانية العامة وإعداد الحسابات الختامية ورفعها في المواعيد المحددة نظاما.
8 - ضعف أداء بعض الشركات التي تسهم فيها الدولة واستمرار تكبدها خسائر كبيرة.
هذه النقاط التي أثبتها تقرير ديوان المراقبة ينبغي قراءتها، ليس باعتبارها تقاعسا وتقصيرا أو حتى ''فسادا'' فهذا مجرد تحصيل حاصل قام بتوثيقه الديوان مشكورا ولا يحتاج إلى لغو في التبرير وإلا كان معناه (تفسير الماء بعد الجهد بالماء!) وإنما ينبغي المضي أبعد من الكشف والإدانة إلى إيجاد آلية لا يكون معها متاحا أن تظل هذه الخروق النظامية والمالية والفنية وسواها قابلة للتكرار بصورة أو أخرى في هذا الموقع أو ذاك، فالديوان لا يملك سلطة القضاء عليها أو إزالة أضرارها ولابد من التفكير في جهاز استراتيجي للمتابعة والمحاسبة حتى لا تضيع المشاريع والأموال في مذكرات ومحاضر ترفع من هذه الجهة إلى تلك الجهة أو تحال من هذا المسؤول إلى ذاك وكل يعمل بجهد مقصور فقط على مهام جهته أو حدود صلاحياته، وفي النهاية تظل القضية مفتوحة على ساحة تنازع المهام والصلاحيات، فلا هذا يبت في الأمر ولا ذاك، ويظل الوقت مسحوق نسيان يراكم غباره على التجاوزات ما لم يكن وراءها مطالب، وطبعا المطالب، إن كان فردا فقد يجد طريقه إلى ديوان المظالم، أما إن كانت جهة فديوان المظالم قد ينظر الدعوى غير أن حباله طويلة لأن لديه من القضايا ما يفوق قدرته... فهل بالإمكان إيجاد جهاز ''ما'' يتولى المتابعة والحساب؟ على ألا تكون المتابعة أو المحاسبة ورقية وإنما بمنطلق مثلنا الشعبي: قول وفعل!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي