تساؤلات حول العملة الخليجية الموحدة (2 من 2)

إذا تم إطلاق العملة الخليجية الموحدة فكيف سيتحدد معدل صرف هذه العملة؟ تعد مسألة كيفية تحديد معدل صرف العملة الخليجية الموحدة من المسائل الحرجة في نجاح المشروع، بصفة خاصة فإن إنشاء عملة موحدة وتعويم هذه العملة يمكن أن يحمل الكثير من المخاطر الناجمة عن احتمال تقلب أسعار صرفها، بصفة خاصة في بداية إنشائها، مع تقلبات الطلب عليها. وهناك عديد من المقترحات في هذا المجال منها ربط العملة الخليجية الموحدة بالدولار الأمريكي، حيث تتمثل الميزة الأساسية لهذا المقترح في أنه يتناسب مع النظام الحالي الذي تتبعه دول المجلس، ومن ثم فإن ربط العملة الخليجية الموحدة بالدولار يضمن استقرار أكبر لسوق الصرف الأجنبي لأنه يعد امتدادا للنظام المستخدم حاليا بالنسبة لعملات الدول الأعضاء، عدا الكويت. أضف إلى ذلك أن دول المجلس قد طبقته لسنوات طوال وكان أداؤها فيه جيدا، وقد اعتادته البنوك المركزية لدول المجلس. من ناحية أخرى فإن هناك عدة مزايا إضافية لربط العملة الخليجية الموحدة بالدولار وهي أن النفط الخام، سلعة التصدير الرئيسة لدول المجلس، يسعر عالميا بالدولار الأمريكي، ومن المعلوم من الناحية النظرية أنه يفضل للدول التي تقوم بإنتاج وتصدير سلع أولية أن تقوم بربط عملتها بالعملة التي يتم استخدامها في تقييم أسعار تلك الصادرات، حيث إن هذه الدول تتمتع بميزة كامنة في سياسة معدل الصرف وفقا لهذا الربط، ففي الأوقات التي يميل فيها الدولار نحو الهبوط، فإن صادرات هذه الدول ستتزايد نتيجة لذلك (بفعل انخفاض قيمة الدولار)، مما يؤدي إلى زيادة إيراداتها من النقد الأجنبي ليعوض أثر النقص في القيمة الشرائية للدولار على واردات هذه الدول، من ناحية أخرى، فإن ارتفاع قيمة الدولار سيؤدي إلى هبوط صادرات تلك الدول، إلا أن قيمة وارداتها ستنخفض بالتبعية (نتيجة ارتفاع قيمة الدولار)، مما يعوض أثر النقص في إيرادات الصادرات. ويعني ذلك أن الربط بعملة التصدير يساعد على استقرار شروط التجارة (أسعار الصادرات إلى أسعار الواردات) لهذه الدول. غير أنه التجربة الحالية التي تمر بها دول المجلس تشير إلى أن ربط عملاتها المحلية بالدولار كان أمرا مكلفا بالنسبة لتحمل هذه الدول معدلات مرتفعة من التضخم نتيجة الضعف المستمر للدولار الأمريكي، عملة التثبيت المشترك، في ظل تواضع وارداتها من الولايات المتحدة مقارنة بباقي دول العالم. من الممكن أيضا أن يتم ربط العملة الخليجية الموحدة باليورو، حيث أصبح اليورو كعملة دولية أكثر استقرارا من الدولار الأمريكي، أو هكذا تبدو الأمور حاليا، حيث يدعمه عدد أكبر من الاقتصاديات القوية، كما تنخفض هجمات المضاربة عليه بشكل واضح، كذلك فإن الدور الذي يلعبه اليورو في السوق النقدي العالمي، وكذلك في الاحتياطيات العالمية من النقد الأجنبي آخذ في التزايد بصورة واضحة، غير أن العيوب الكامنة للربط باليورو هي العيوب نفسها المصاحبة للربط بعملة واحدة مثل الدولار الأمريكي. ويمكن ربط العملة الخليجية الموحدة بوحدات حقوق السحب الخاصة، وهي عملة احتياطي دولية يصدرها صندوق النقد الدولي، ليتم توزيعها على الأعضاء وفقا لنسبة حصص الدول الأعضاء في رأسمال الصندوق، وهي عملة حسابية، أي ليس لها وجود مادي، وإنما يصدرها صندوق النقد الدولي لزيادة حجم السيولة الدولية للدول الأعضاء، ويقتصر استخدامها على البنوك المركزية للدول. ويتم ربط حقوق السحب الخاصة حاليا بسلة من العملات هي أساسا الدولار الأمريكي واليورو الأوروبي والين الياباني والجنيه الاسترليني، ويعني ربط العملة الخليجية الموحدة بوحدات حقوق السحب الخاصة أنه هناك ربطا غير مباشر لتلك العملة بسلة من العملات الدولية، وهي السلة المكونة لمعدل صرف حقوق السحب الخاصة. وتتمتع حقوق السحب الخاصة بقدر كبير من الاستقرار كعملة احتياطي دولية، وهو ما يمكن أن يضفي قدرا كبيرا من الاستقرار في العملة المقترحة. كذلك يمكن ربط العملة الخليجية الموحدة بسلة موسعة من العملات، ويعد هذا النظام خطوة نحو تحقيق استقرار أكبر في معدل صرف العملة الخليجية الموحدة، حيث يعني الربط بسلة موسعة من العملات، تحديد وزن محدد لكل عملة من العملات داخل السلة، ربما على أساس أهمية حجم التجارة (صادرات وواردات دول الاتحاد مع تلك الدولة إلى إجمالي صادرات وواردات دول الاتحاد) والاستثمار (استثمارات دول الاتحاد في تلك الدولة إلى إجمالي استثمارات الاتحاد) في الدول صاحبة تلك العملات، ويؤدي ذلك إلى درجة أعلى من الاستقرار في معدل الصرف. ذلك أن ارتفاع معدل صرف عملة ما داخل السلة، يعني في الوقت ذاته انخفاض معدلات صرف باقي العملات في السلة بالنسبة لتلك العملة، فإذا كانت أوزان العملات داخل السلة موزعة بطريقة مناسبة، فإنه من المفترض ألا يترتب على ذلك أي تأثير في معدل صرف العملة الخليجية الموحدة. ويتميز هذا الربط بأنه ربط واقعي، كما أنه يسمح لدول المجلس بتعديل مكونات السلة من وقت إلى آخر وفقا لتطورات المعاملات التجارية والمالية التي تتم بين دول المجلس ودول سلة العملات. وأخيرا يمكن أن يتم تحديد معدل صرف العملة الخليجية الموحدة من خلال قوى السوق، أي ترك معدل صرف العملة المقترحة وفقا لقوى العرض والطلب. إلا أنه لا يفضل أن يتم تحرير معدل صرف العملة الخليجية الموحدة، أو على الأقل في المراحل الأولى لعملية إصدارها حتى لا تتعرض لهزات تؤثر في الاستقرار النقدي لدول مجلس التعاون وتزيد من احتمالات هجمات المضاربة عليها، الأمر الذي قد يؤدي في أسوأ الاحتمالات إلى تهديد مشروع الاتحاد النقدي برمته، خاصة بالنسبة لمجموعة دول تتعرض من آن إلى آخر إلى تقلبات خارجية عنيفة.
ولكن هل ستفقد أي من العملات الأربع لدول الاتحاد النقدي الخليجي جزءا من قيمتها عند التوحد مع العملة الخليجية الموحدة؟ هذا التساؤل يثيره الكثيرون، خصوصا هنا في الكويت، حيث يعتقد البعض أن الدينار الكويتي، بوصفه أعلى عملة في العالم من حيث القيمة، سيفقد جزءا من قيمته عند إصدار العملة الموحدة، وهو ما يمثل خسارة محتملة لكل من يحتفظ بالدينار الكويتي. الإجابة عن هذا السؤال هي بالتأكيد لا، لن تفقد أي عملة من عملات الدول الأربع جزءا من قيمتها عند التوحد مع العملة الخليجية الموحدة، لأنه يفترض قبل أن يتم إطلاق العملة الموحدة أن تكون هناك فترة زمنية انتقالية يتم خلال هذه الفترة تحديد معدلات صرف ثابتة بين عملات الدول الأربع والعملة الموحدة، لتبدأ عملية استبدال العملات المحلية من قبل المواطنين في هذه الدول بالعملة الموحدة على أساس هذه المعدلات الثابتة، ثم تتم عملية السحب التدريجي للعملات الأربع من التداول يعتمد ذلك على سرعة عملية الاستبدال، حتى تختفي العملات المحلية للدول الأربع من التداول، وتصبح العملة الموحدة هي العملة الأساسية في عمليات تمويل المبادلات المختلفة في دول الاتحاد. وعلى ذلك فإن إطلاق العملة الموحدة لن يؤدي لأي خسائر تلحق بمن يحتفظ بعملته المحلية عند إصدار تلك العملة بسبب معدلات الاستبدال على أساس ثابت.
وأخيرا ربما يكون التساؤل حول متى سيتم إصدار العملة الخليجية الموحدة؟ هو أكثر التساؤلات إلحاحا في هذه المرحلة. إن اتفاق الدول الأربع في المجلس على الوحدة النقدية، هو اتفاق على الإطار العام للاتفاقية، وليس معنى ذلك أننا سنرى العملة الخليجية الموحدة في العام المقبل، أو في الأعوام القليلة المقبلة. ولا أعتقد أننا سنرى العملة الخليجية في التداول قبل عشر سنوات من الآن، على أفضل تقدير. فما زال هناك مشوار طويل أمام الدول الأعضاء عليهم السير فيه لإعداد الترتيبات المناسبة لإطلاق هذه العملة قبل أن نراها على أرض الواقع. بصفة خاصة، تحديد اسم هذه العملة، وتصميم هذه العملة، وفئاتها، وأسس تحديد معدل صرفها، وأسس تحديد الكميات المصدرة منها، وأين سيتم الإصدار، وكيفية توزيع هذا الإصدار بين الدول الأعضاء في الاتحاد النقدي، والأدوار الأساسية التي سيلعبها البنك المركزي الخليجي في إدارة هذه العملة، ودور البنوك المركزية المحلية للدول الأعضاء، وتحديد حجم احتياطيات النقد الأجنبي اللازمة لضمان استقرار هذه العملة، وكيفية توزيع هذا الاحتياطي على الدول الأعضاء، وتحديد طول الفترة الانتقالية قبل إصدار العملة وتاريخ بدئها وانتهائها، وتحديد معدلات التحويل الثابتة للعملات المحلية والعملة الموحدة خلال هذه الفترة الانتقالية... إلى آخر هذه القائمة الطويلة جدا من الترتيبات، وهي موضوعات لا شك أنها تحتاج إلى وقت طويل لمعالجتها، قبل أن نرى العملة الموحدة واقعا حيا بين أيدينا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي