تساؤلات حول العملة الخليجية الموحدة (1 من 2)

في يوم 25 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي وافق مجلس الشورى في البحرين على مشروع قانون بالتصديق على اتفاقية الاتحاد النقدي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، كما وافق مجلس الأمة الكويتي في 8 كانون الأول (ديسمبر) الماضي على مشروع قانون الاتفاقية، لتكتمل بذلك الأطر القانونية اللازمة لإطلاق الاتحاد النقدي بين دول مجلس التعاون والمتوقع الإعلان عنه رسميا في قمة الكويت، تمهيدا لإصدار عملة خليجية موحدة لتحل محل العملات المحلية للدول الأربع الأعضاء في هذا الاتحاد وهي السعودية والكويت وقطر والبحرين. وكانت الإمارات قد أعلنت انسحابها من الاتفاقية استنادا إلى أحقيتها في أن يقام البنك المركزي الخليجي على أراضيها، بينما أعلنت عُمان مسبقا أنها ليست طرفا في هذه الاتفاقية. ولكن لماذا تصر دول المجلس، أو على الأقل الدول الأربع على إطلاق عملة موحدة بدلا من عملاته المحلية؟ من الناحية النظرية يهدف إطلاق عملة موحدة أساسا إلى تسهيل التجارة البينية بين الدول الأعضاء في منطقة الاتحاد النقدي ومن ثم زيادة مستويات النمو، وذلك من خلال التعامل بعملة واحدة بدلا من عدة عملات، الأمر الذي يقلل من آثار تقلبات معدل الصرف على التجارة بين الدول الأعضاء، ويساعد على القضاء على تكلفة تحويل العملات بين دول الاتحاد النقدي، ليس فقط في مجال الصفقات التجارية، وإنما أيضا في مجال تدفقات رأس المال، أي تلك المرتبطة بتبادل الأدوات المالية. كذلك تؤدي العملة الموحدة إلى شيوع حالة من الشفافية السعرية، ففي ظل غياب العملة الموحدة ستحاول الشركات تحميل المستهلكين بأكبر سعر ممكن في كل سوق محلية من أسواق الاتحاد النقدي، بينما في ظل وجود العملة الموحدة، ستجبر الشركات على فرض سعر موحد للسلع في كل الأسواق المحلية لمنطقة الاتحاد، حيث إن وجود فوارق في أسعار السلعة نفسها داخل أسواق الاتحاد سيدفع إلى نقل السلعة من السوق الذي تباع فيه بسعر منخفض إلى السوق التي تباع فيها بسعر مرتفع، وبالتالي ستميل الأسعار إلى أن تتوحد في جميع أسواق الاتحاد النقدي. أكثر من ذلك ستميل الأسعار لأن تكون تنافسية داخل الاتحاد في ظل وجود عملة موحدة، حيث تصبح الشركات تحت ضغوط تنافسية أكبر، مما يشجع النمو السريع للإنتاجية والكفاءة في ظل المناخ التنافسي. كما تساعد العملة الموحدة على رفع مستويات النمو الاقتصادي في دول الاتحاد، حيث يؤدي غياب تقلبات العملات إلى إزالة العوائق نحو إعادة هيكلة الإنتاج والنمو، وكذلك تحسين الكفاءة في صناعات دول الاتحاد. فقبل إنشاء العملة الموحدة، ستحرص كل صناعة لها مستهلكون في دول الاتحاد على أن تمتلك تسهيلات في الدول الأعضاء كافة، كوسيلة للتحوط ضد تغيرات إيرادات المبيعات في تلك الدول نتيجة تغيرات أسعار عملاتها. كما لا تستطيع الشركات أن تصمم هياكلها، على أساس تحقيق أدنى تكاليف ممكنة عبر دول الاتحاد دون أن تواجه مخاطر تغيرات معدل الصرف. أما بعد إنشاء العملة الموحدة فإن الشركات يمكنها أن تنشئ هياكلها الإنتاجية على أساس هدف أقصى كفاءة ممكنة، وهو ما يسمح بتحقيق تحسن كبير في الإنتاجية، الذي يحول عدم وجود العملة الموحدة، أو مخاطر تقلبات معدل الصرف، دون حدوثه. من ناحية أخرى، يؤدي إطلاق العملة الموحدة إلى رفع كفاءة أسواق المال في دول الاتحاد النقدي، ويساعد على تطوير أسواق الأسهم ويؤثر فيها تأثيرا ملحوظا من حيث الحجم والعمق والسيولة نتيجة زيادة تدفقات رؤوس الأموال، حيث يتمكن المستثمرون من الحصول على الائتمان اللازم من أسواق دول الاتحاد كافة. ويؤدي تعميق أسواق رؤوس الأموال إلى جعل أسواق المال في تلك الدول أكثر جاذبية للأموال ليس فقط من دول الإقليم، ولكن أيضا من الدول خارج الإقليم، أكثر من ذلك فإن الضغوط على إدارات الشركات لكي ترفع من مستويات أدائها ستتزايد، نظرا لتداول أدواتها المالية في جميع أسواق الاتحاد وليس في سوق واحدة، مما يساعد على الحرص على رفع مستويات نمو الإنتاجية. كذلك يسمح الاتحاد النقدي بزيادة قدرة الشركات في دول الاتحاد على الاندماج، الأمر الذي سيكون له آثار إيجابية على صعيد الاقتصاد الكلي والكفاءة الاقتصادية نتيجة الاستفادة من الوفورات الناجمة عن اقتصاديات الحجم. وتؤدي العملة الموحدة إلى تخفيض تكاليف الإصدار النقدي وذلك من خلال تركيز عملية إصدار العملة الموحدة في يد بنك مركزي واحد وإدارة نقدية واحدة، بدلا من إصدار عدة عملات من خلال عدة بنوك مركزية. وأخيرا فإن إنشاء اتحاد نقدي يجعل مصالح الدول الأعضاء فيه مشتركة بصورة أعمق، وهو ما يؤدي إلى تشجيع مستويات التنسيق والتعاون السياسي بين الدول الأعضاء في الاتحاد حرصا على سلامة الأوضاع الاقتصادية والنقدية في تلك الدول، مما يعظم العوائد الناجمة عن التكامل الاقتصادي. ولكن هل يعني ذلك أنه لا توجد مضار للعملة الموحدة على دول الاتحاد؟ على الرغم من المزايا العديدة للعملة الموحدة على دول الاتحاد النقدي، فإن المخاطر المصاحبة لإطلاق عملة موحدة غير ناجحة كبيرة أيضا، خصوصا على مستوى الاستقرار النقدي والاقتصادي في دول الاتحاد، إذا ما تعرضت تلك العملة للاهتزازات أو لم تتم إدارة معدل صرفها بالكفاءة المناسبة من قبل البنك المركزي للاتحاد، وتؤثر مثل هذه الاهتزازات على استقرار الأسعار وقرارات المنتجين الخاصة بالاستثمار، وانتقال رؤوس الأموال بين دول الاتحاد النقدي، والتأثير في الاستثمارات البينية، فضلا عن التأثير في المستويات العامة للأسعار في دول الاتحاد في حالة الإخفاق في إدارة الإصدار من هذه العملة على نحو مناسب، إضافة إلى ذلك فإن هناك أثرين آخرين للعملة الموحدة هما فقدان جزء من السيادة الوطنية بسبب التخلي عن السيطرة الوطنية على السلطات النقدية المحلية في عملية صناعة السياسة النقدية وسياسات معدل الصرف، حيث يترتب على الاتحاد النقدي وإصدار العملة الموحدة تخلي الدول الأعضاء عن عملية تصميم وتنفيذ سياسات نقدية تتماشى مع متطلبات الاقتصاد الوطني، استجابة للتقلبات الاقتصادية التي يواجهها الاقتصاد الوطني، في مقابل اتباع سياسات نقدية مركزية يتم تصميمها وتنفيذها لتتوافق مع مصلحة أغلب دول الاتحاد النقدي. أما الأثر الثاني فيتمثل في حدوث خسارة في إيرادات للدولة الناجمة عن عملية إصدار عملاتها الوطنية حاليا، وكذلك فقدان القدرة على اتباع سياسات نقدية توسعية خلال فترات هبوط أسعار النفط مع تحمل قدر ما من التضخم في سبيل زيادة الإيرادات العامة للدولة، ويحدث ذلك نتيجة قصر عملية إصدار النقود على السلطة النقدية الإقليمية، غير أنه من الممكن تعويض دول الاتحاد عن ذلك بشكل جزئي من خلال توزيع عوائد عملية الإصدار على الدول الأعضاء وفقا لمعايير عادلة.
في ضوء ما سبق ما دور البنك المركزي الخليجي وعلاقته بالبنوك المحلية للدول الأعضاء في الاتحاد النقدي؟ يفترض أن عملية إصدار العملة الموحدة ورسم السياسة النقدية المركزية لدول الاتحاد ستتم من خلال البنك المركزي الخليجي الذي سيتم إنشاؤه في الرياض. البنك المركزي الخليجي سيكون مركز صناعة وتنفيذ السياسات النقدية الموحدة للدول الأعضاء في الاتحاد النقدي، ويمكن تلخيص الوظائف التي سيقوم البنك المركزي الخليجي المقترح إنشاؤه بأدائها في: إصدار العملة الخليجية الموحدة بالكميات التي تتوافق مع مستويات النشاط الاقتصادي في دول الاتحاد، تحديد المعدلات المستهدفة للتضخم والعمل على الحفاظ على تلك المعدلات في دول الاتحاد، ورسم وتنفيذ السياسات النقدية المناسبة لدول الاتحاد، والقيام بعمليات التدخل في سوق الصرف الأجنبي لضمان استقرار معدل صرف العملة الخليجية الموحدة، وضمان استقرار النظام النقدي في دول الاتحاد، ومراقبة أعمال النظام المصرفي في دول الاتحاد في ضوء الأهداف المعلنة للسياسة النقدية الموحدة.
ومما لا شك فيه أن هناك الكثير من القضايا المهمة المرتبطة بالبنك المركزي الخليجي، وهي، كيف ستدار عملية صناعة السياسة النقدية فيه، وكيف سيتم توزيع عوائد عمليات الإصدار النقدي من العملة الخليجية على الدول الأعضاء، أي هل سيتم ذلك على أساس عدد السكان أم حجم الناتج، أم حجم القاعدة النقدية قبل عملية إطلاق العملة الموحدة، وكيف ستتم عملية تحديد معدلات الفائدة، وهل ستتم عمليات إصدار العملة المرتقبة بصورة مركزية، أم بصورة لا مركزية، ومما لا شك فيه أن اللامركزية في إصدار العملة الموحدة المرتقبة ستكون غير عملية، خصوصا إذا ما حاولت السلطات النقدية في كل دولة تعظيم عوائدها من عمليات الإصدار على حساب باقي الدول في الاتحاد، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تضخم نتيجة عملية الإفراط الجماعي في الإصدار. من ناحية أخرى، ينبغي أن يتم الاتفاق على كيفية توزيع الإصدار النقدي من العملة الخليجية الموحدة على الدول الأعضاء في الاتحاد، وعلى الرغم من وجود عدة قواعد لتوزيع الإصدار النقدي على الدول الأعضاء، إلا أن أفضل قاعدة توزيع للإصدار النقدي الجديد هي أن يتم على أساس مستويات الدخل القومي في الدول الأعضاء. كذلك فإن عملية الدفاع عن العملة الخليجية الموحدة ستقتضي ضرورة تكوين صندوق احتياطي من العملات الأجنبية يتم الاحتفاظ به من خلال البنك المركزي الخليجي لأغراض التدخل في سوق الصرف الأجنبي في الوقت المناسب للحيلولة دون حدوث تقلبات عنيفة في قيمة العملة الموحدة المرتقبة، ولذلك لا بد من أن يكون هناك اتفاق حول آليات تكوين الاحتياطيات من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي الخليجي حتى يكون هناك اتساق في عملية الرقابة والتحكم في تلك الاحتياطيات لأغراض استقرار العملة. وينبغي أن يكون البنك المركزي الخليجي مستقلا، على الأقل من تأثير السياسيين، إذ إنه من المعلوم أن البنك المركزي المستقل من أي تأثير سياسي هو من المتطلبات الأساسية لسياسة نقدية متسقة. من ناحية أخرى، تعد استقلالية البنك المركزي إحدى أساسيات الاستقرار النقدي على المستوى القومي، ولقد أثبتت الدراسات أن التدخل السياسي في شؤون البنك المركزي يؤدي إلى عدم تحقيق مستهدفات السياسة النقدية. لذلك ينبغي أن يمنح البنك المركزي الخليجي استقلالية تامة في عملية صناعة وتنفيذ السياسات النقدية.
وأخيرا لا بد من الاتفاق على كيفية إدارة البنك المركزي الخليجي، أي هل ستشكل إدارة متعددة الجنسيات للبنك، حيث تتم عملية اتخاذ القرارات على أساس التصويت، وإذا تم ذلك فهل سيتم استخدام النظام المستخدم حاليا في التصويت على قرارات المجلس؟ حيث تتمتع الدول الأعضاء كافة، بغض النظر عن مستويات الناتج أو السكان بها، بالقدر نفسه من التصويت. إن المشكلة الأساسية في الكيان المؤسسي الحالي لدول المجلس تتمثل في أن هناك تساويا في أصوات الأعضاء بغض النظر عن حجمه أو أهميته أو قوته داخل المجلس، وأن الموافقة على قرارات المجلس تتم بالإجماع. مثل هذا النظام يحمل بعض المخاطر خصوصا في حالة عدم القدرة على تحقيق الإجماع. لذا ينبغي أن تتم إعادة صياغة نظام التصويت على قرارات البنك المركزي الخليجي على سبيل المثال في ضوء حجم السكان، على سبيل المثال بأن يكون هناك عشرة أصوات لكل مليون من إجمالي السكان (بما في ذلك السكان الوافدون). وصوت إضافي لكل مليار من الناتج المحلي الإجمالي في وقت الإنشاء. على أن تتم إعادة حساب الأصوات كل خمس سنوات تالية، أو أن تتم عملية التصويت بالأغلبية، مع تحديد المقصود بالأغلبية بشكل دقيق، خصوصا في ظل غياب الإمارات وعُمان عن الاتحاد النقدي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي