أمن الطاقة الأمريكي بين متغيرات السياسة وثوابت النفط السعودي

لا أحد يعرف بالضبط ماذا يعني مفهوم ''أمن الطاقة'' الذي استخدمته حكومات الولايات المتحدة المتعاقبة. فهو مفهوم مطاط يتأقلم مع متطلبات الساسة الأمريكيين وأهدافهم ويتغير ما بين عشية وضحاها. وهذه الظاهرة ليست جديدة وإنما تعود جذورها إلى الحرب العالمية الأولى وما تلاها من أحداث تتعلق باكتشاف أهمية النفط الاستراتيجية ودخول شركات النفط الأمريكية إلى منطقة الشرق الأوسط بدعم حكومي أمريكي لم يسبق له مثيل. لذلك فإن هناك شواهد كثيرة على الربط بين النفط والشركات النفطية من جهة، والسياسة الخارجية للولايات المتحدة من جهة أخرى. المشكلة هي أن سبر أغوار هذه العلاقة صعب للغاية لدرجة أنه لا يمكن معرفة ما إذا كان النفط يتحكم في السياسة الخارجية لتحقيق أهداف سياسة الطاقة، أم أن السياسة الخارجية تتحكم في النفط لتحقيق أهدافها. أما التوفيق بينهما فإن الأحداث أثبتت أنها فكرة خيالية لأن هناك تعارضاً كبيراً بين أهداف سياسات الطاقة الأمريكية وأهداف السياسات الخارجية للولايات المتحدة.
بغض النظر عمن يتحكم في من، فإن 100 عام من الأحداث تدل على أن هذا التعارض بين سياسات الطاقة والسياسة الخارجية من جهة، وتخبط السياسة الخارجية الأمريكية من جهة أخرى قد أدى إلى أزمات نفطية كانت الولايات المتحدة أولى ضحاياها. وما الأزمة الحالية التي تعاني منها الولايات المتحدة الآن إلا مثالا على ذلك.
المنطق يقتضي تشجيع الاستثمار في صناعة النفط في شتى أنحاء العالم وتنويع مصادر الطاقة وتنويع مصادر واردات النفط، لذلك اعتبرت هذه الأمور من أساسيات سياسة الطاقة في الولايات المتحدة. وتوضح الأزمة الحالية أن الولايات المتحدة فشلت في الوصول إلى هذه الأهداف لأن السياسة الخارجية للولايات المتحدة لها أولوية على سياسات الطاقة. فالسياسة الخارجية تطلبت تحويل واردات النفط من الشرق الأوسط إلى فنزويلا. ونجحت الولايات المتحدة في ذلك إلى أن فاز هيوغو شافيز برئاسة فنزويلا وانقلبت الأمور رأساً على عقب وأصبح شافيز هاجساً في أوقات الحلم واليقظة. وبما أن التركيز على فنزويلا جاء على حساب واردات النفط من الشرق الأوسط فإن المنطق يقتضي العودة إلى الشرق الأوسط. ولكن سياسة الولايات المتحدة الخارجية تطلبت الابتعاد عن الشرق الأوسط مرة أخرى والتركيز على منطقة غرب إفريقيا. وما أن بدأت الاستثمارات الأمريكية تؤتي أكلها وتفجر النفط في المناطق الجديدة حتى كبرت آمال بعض الساسة الأمريكيين وتضخمت لدرجة أن البعض بدأ يتكلم علنا عن الاستغناء عن نفط الشرق الأوسط بالكامل، بحجة أن واردات النفط من الشرق الأوسط ''غير آمنة'' و''لا يمكن الاعتماد عليها''. وفجأة تفجرت القلاقل السياسية في نيجيريا كما تفجر النفط فيها: فجأة، بقوة، وبعنف، فانخفضت الإمدادات وزاد تقلب الإنتاج. ويبدو أن البعض رأى أن تحول نيجيريا إلى الديمقراطية سيحسن من وضعها السياسي وسيخفف الاضطرابات السياسية، وبالتالي فإنه سيضمن عدم انقطاع الإمدادات، كما سيضمن زيادة مستمرة في إنتاج النفط. ولكن الديمقراطية تسمح بأشياء لا يمكن أن تحدث في عهد الدكتاتورية. فالديمقراطية سمحت لعمال النفط بالإضراب والتظاهر مطالبين بحقوقهم، وهو أمر لم يخطر على بال أحد. فزاد تقلب الإنتاج النيجيري، الأمر الذي أثر في صادرات نيجيريا إلى الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه لم يؤد التحول إلى الديمقراطية إلى حل القلاقل السياسية في الجنوب، بل زادتها اشتعالاً.
وكان ظن الحكومة الأمريكية أنها ستستطيع العودة بإنتاج النفط في العراق إلى مستويات ما قبل الاجتياح خلال فترة لا تزيد على شهر من سقوط بغداد. والآن بعد مرور أكثر من عامين ونصف على ذلك ما زال إنتاج العراق أقل مما كان عليه قبل الاجتياح بأكثر من مليون برميل يومياً، رغم الهبة التي قدمتها الحكومة الأمريكية لقطاع النفط العراقي التي بلغت 23 مليار دولار، ورغم الحماية الضخمة التي تتمتع بها المنشآت النفطية.
في ضوء تقلب واردات النفط من فنزويلا وغرب إفريقيا، وعدم رغبة المسؤولين في زيادة الاعتماد على الشرق الأوسط، توغلت شركات النفط الأمريكية في خليج المكسيك بحثاً عن مصادر محلية للنفط. ونتيجة استثمارات ضخمة وتكنولوجيا لم يشهدها العالم من قبل تفجر النفط من قاع الخليج، وتفجرت معه طموحات لا تحصى. وفجأة جاء ''إيفان'' في العام الماضي ثم تلته أختاه ''كاترينا'' و''ريتا'' في الشهر الماضي فعصفوا بهذه الطموحات ودمروا ما اعتقد البعض أنه لا يمكن تدميره. فجأة توقف إنتاج خليج المكسيك وارتفعت أسعار النفط والبنزين إلى مستويات قياسية.
في ظل هذه التغيرات والتقلبات سواء في السياسات الأمريكية أو إنتاج الدول التي رغبت الولايات المتحدة في الاعتماد عليها ظلت هناك بعض الثوابت التي لم تنتبه إليها الولايات المتحدة، هي إنتاج النفط السعودي، وسياسات السعودية النفطية، واحتياطي النفط السعودي، أكبر احتياطي للنفط في العالم، هذا النفط الذي لا يرغب بعض الساسة الأمريكيين في الاعتماد عليه هو الذي أنقذ الولايات المتحدة من ورطتها وغطى انخفاض الإنتاج الفنزويلي والنيجيري والعراقي، وغطى انخفاض إنتاج النفط الأمريكي بعد ''إيفان''. أما الثوابت الأخرى فإنها تتضمن استمرار حصول شركة أرامكو السعودية على المركز الأول ضمن شركات النفط العالمية، واستمرار حصدها أفضل الجوائز في محافل النفط العالمية كافة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي