أمريكا و«كاترينا» و«ريتا» وسورية
كاترينا إعصار غاضب مدمر نجح في إبراز أنيابه ومخالبه ليثبت أن تسميته باسم الإمبراطورة الروسية المتوحشة كاترينا الثانية لم يكن مجرد مصادفة. خلفت ''كاترينا'' العاصفة خسائر مالية بالمليارات وهلعا نفسيا لا يقدر بقيمة مع وجود الآلاف المؤلفة من المشردين، فضلا عن القتلى والمصابين.
و''ريتا'' انتظرت حتى تهدأ شقيقتها كاترينا لتضرب ضربتها، لكن ''ريتا'' تتمتع بروح الدعابة وتميل إلى أسلوب القط في الهجوم، فهي تفزع فريستها وتشل حركته ثم تنقض.
وهذا ما حدث في تكساس حيث هاجر الآلاف لتبدو مدينة هيوستون مدينة أشباح، وينتظر الجميع مكان وزمان الضربة في فزع، وجورج بوش الصغير في البيت الأبيض يحملق ويعجب ويدافع، لقد تعلم منذ نعومة أظفاره أن بلاده الغنية الشاسعة هي الملعب المفضل لما لا يقل عن 50 إعصارا معظمها يحظى بأسماء ذكور، ولكن الفتاتين ''كاترينا'' و''ريتا'' أفقدتا بوش صوابه. فالأولى وضعته في قفص الاتهام بتهمة الإهمال وعدم الاستعداد وفشله في التعامل مع الإعصار ونتائجه بما يليق برئيس دولة كبرى، وأثبت الرجل أنه منفذ صغير للأجندات المملاة عليه، ولم تكن كاترينا أحد الملفات التي أعدها المتصهينون الجدد من رجاله. فضاع الرجل وهاج الأمريكيون وغضبوا واكتشفوا فجأة أن القابع في البيت الأبيض الذي وصل إليه بأصوات فلوريدا (الولاية التي كان يحكمها شقيقه جيب)، غير مؤهل للتصدي للمهام الأمريكية الصميمة التي تمس مصالح الشعب والتي أقسم على المحافظة عليها. واكتشفوا لأول مرة أن إخلاصه أكبر لمصالح إسرائيل وأجندتها وأولوياتها.
وهدأت ''كاترينا'' وجاءت شقيقتها ''ريتا'' تصفر وترغي وتزبد قبل أن تضرب. أعلن جورج بوش الصغير حالة الطوارئ بتهجير سكان سواحل تكساس، وهذا يعني خسائر بالمليارات ولا ندري مدى ضراوة ''ريتا'' أو خططها لضرب جورج بوش لتذكره بمسؤولياته المحلية. كما لا ندري شيئا عما أعدته ''كاترينا'' و''ريتا'' من مزيد من الأعاصير باستفزاز أشقائهما من عواصف عاتية ونحن لا نشمت في الشعب الأمريكي المنكوب بالأعاصير وطغمة ساذجة شرسة من الحكام، وإنما نسجل ملاحظاتنا لأن هذا هو دورنا. أولى تلك الملاحظات أن جورج الصغير لا يختلف قيد أنملة عن أكثر حكام الدول النامية سذاجة. أولئك الحكام يسارعون لدى أول ضغط داخلي بفتح ملفات خارجية، وتحميل الأبرياء خطايا الأشقياء والمتهم هنا هو سورية، التي اختارها بوش كي ينسى الأمريكيون مآسيهم مع ''كاترينا'' و''ريتا''، وكي يشعروا بالزهو إزاء رئيس يوجه الاتهامات يمينا ويسارا دون دليل وبوحي من حملات دعائية صهيونية وفزع رهيب من فشله في الداخل. فقد لاحظنا تصعيد نغمة التهديد والتخويف لسورية واتهامها بأنها وراء ضراوة المقاومة العراقية وبأن حدودها هي البوابة الرحبة التي يتسلل منها المقاومون، وتنضم إلى جوقة بوش أصوات النشاز العراقية من أمثال طالباني وزيباري الذي اعتبر سورية المسؤول الأول عن رعبه وانخلاع قلبه دون أن يتأمل الحقائق والوقائع من حوله ليرى بصدق كيف تحولت الأمور وأصبح الأكراد بين يوم وليلة أسياد العراق. لم يتأمل زيباري في أقدام واشنطن على تفخيمه ونفخ بالونة دوره هو وغيره من الأكراد مع التغاضي الكامل عن دعم أكراد إيران أو أكراد تركيا أو أكراد أذربيجان أو حتى أكراد سورية. ذلك أن أكراد العراق ارتضوا أن يلعبوا دور المحلل في زيجة مرفوضة، وأن يعوضوا سنوات الدونية بعقدة النقص التاريخية. ورفض هؤلاء تصديق حقيقة أن مواطني العراق الآخرين يرفضون عمالتهم الكاملة وزعامتهم المصطنعة، ومن ثم فإن المقاومة أصبحت الملجأ الوحيد لدحر الاحتلال وإسقاط رؤوس عملائه الذين لم يتم اختيارهم بذكاء. فالأمريكيون على عكس أبناء عمومتهم من الإنجليز أصحاب خبرة محدودة في الاحتلال والاستعمار، ويسهل خداعهم ويؤمنون بأسلوب ''كل شيء أو لا شيء''، هو المبدأ الذي دحرهم في فيتنام فهربوا يلعقون جراحهم ويبكون حتى الآن على مليون ونصف المليون طفل أمريكي، ترفض فيتنام مجرد السماح لآبائهم وأمهاتهم من الأمريكيين رؤيتهم.
في هذا الإطار، نذكر تصريح وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل الذي تضمن تحذير الولايات المتحدة من أن العراق يتجه إلى حالة من عدم التكامل مما يثير المخاوف من نشوب صراع إقليمي أوسع نطاقا. وألمح سموه إلى أن الولايات المتحدة تسلم العراق إلى إيران، وطالب بالعمل على توحيد العراقيين بدلا من دعم ديناميكيات تفكك وتقسيم العراق وتوسيع الهوة بين طوائف الشعب.
واللافت للنظر في تحذيرات وزير الخارجية هو إدراكه الواعي للحقيقة الجيوسياسية للعراق، وهي أنه الحد العربي الشرقي الفاصل بين العالم العربي والجيران الذين يتربصون به وبالعالم العربي. وحتى تكون الأمور أكثر وضوحا فإن تركيا ''المحتل السابق للعالم العربي'' وإيران ''صاحبة النفوذ التاريخي في بعض المناطق الشرقية، تسعيان إلى استعادة هذا النفوذ طمعا في دعم حدودهما والحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية.. والمشاجرة السياسية بين واشنطن وإيران ونزعة أمريكا إلى التهدئة وعلو الصوت الإيراني مع الحرص على إخفات الصوت والوجود السوري وتفكيك العراق تؤكد أن الأجندة الأمريكية صهيونية إسرائيلية محضة، فكلاهما ـ الولايات المتحدة وإسرائيل ـ تريدان إيجاد الشرق الأوسط الجديد الذي يمحو مصطلح العالم العربي اسما والقوة والنفوذ العربي فعلا. ودخول تركيا وإيران وإسرائيل إلى قلب صنع سياسة المنطقة لا يختلف مطلقا مع المخطط الأمريكي، الذي ينفذ برنامجا واضح المعالم تحيطه بين فينة وأخرى بمشاجرات مفتعلة سرعان ما تخبو أمام أهداف مشتركة. ونموذج كوريا الشمالية وحصولها على حلول وسط بفضل إصرارها وتمسكها دليل على أن واشنطن لا تدرك تماما كيفية إدارة المشكلة وباستثناء المصلحة النفطية المباشرة التي ناقشناها في مقالات سابقة، فإن الشكل والتكوين والإطار والأسلوب ورسم الحدود عهد به إلى إسرائيل وحلفائها من الأكراد (تاريخيا) والأتراك (أخيرا). وستظل في مناورة الأصوات العالية مع إيران. ويبدو أن كاترينا وريتا ستسهمان في صب الزيت على الموقف المشتعل مع سورية وعلى الأخيرة الحذر والتنبه للمؤامرة.