في ذكرى محرقة غزة
في السابع والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) 2008 شنت إسرائيل هجوماً مدبراً ووحشياً بكل أنواع الأسلحة على غزة بعد حصارها أكثر من عامين فأبادت الحجر والشجر ولم تبق على شيء بكل الحقد الذي تكنه للعرق الفلسطيني، واستمرت الحملة حتى 18 كانون الثاني (يناير) 2009 رغم احتجاجات ونداءات وتوسلات الدول والأمم المتحدة، ماعدا الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية التي رأت أن تصرف إسرائيل ممارسة صحيحة لحقها في الدفاع عن نفسها. وقد قدمت إسرائيل عدداً من الذرائع التي لم تقنع أحدا، ولكن رغم أن إسرائيل وضعت غزة على المشرحة وعقمت البيئة المحيطة حتى لا يزعجها أحد إلا أن إسرائيل سجلت أول ثغرة استراتيجية في مشروعها الصهيوني. فقد لاحظ الجميع خاصة الغرب أن إسرائيل القوية المدججة بكل الأسلحة «الديمقراطية المتحضرة» لم تتمكن من احتلال غزة، ولن تتمكن من كسر صمود سكانها، بل زالت عن إسرائيل القشرة المصطنعة من أخلاق الأمة اليهودية، وأدرك العالم كله أن إسرائيل المتوحشة المعطشة للدماء العربية لا تمت بصلة إلى الحضارة أو اليهودية أو غيرها من الأنساق الأخلاقية المعتبرة، وأنها جندت نفسها في عملية «الرصاص المصبوب» الذي فتح جداراً غائراً في لحمة العلاقة «الأخلاقية» بين إسرائيل والغرب، وعاد أطباء الغرب وصحافيوه الذين أفلتوا من حصار إسرائيل من الجهات الأربع يروون قصص الإبادة والوحشية التي لم يقرأوا عنها حتى في عصور البرابرة، ولذلك سقط هذا القناع المزيف وتجرأت أوروبا على إسرائيل وتنفست الصعداء من الكابوس الصهيوني، ولكنه أشعر أوروبا بالفزع لأن إسرائيل كشفت نفسها وصارت عبئاً أخلاقياً خطيراً عليها، وفى الوقت نفسه أدركت أوروبا أن هذه اللحظة هي الفارقة والدالة على بداية تحلل إسرائيل وعودة اليهود مرة أخرى إلى أوروبا، ولذلك تقدمت بمشروع لم تلبث واشنطن أن أحبطته وأفرغته من مضمونه وأضاعت فرصة تعانى فيها إسرائيل أعلى درجات الشعور بالانحطاط واليأس بعد ظهور حقيقتها.
أما في فلسطين، فتزداد الأمور سوءاً. ففي القدس يزداد التهويد شراسة خاصة أن محاولة انتزاع القدس من يد إسرائيل من الناحية القانونية في المشروع السويدي قد فشلت، ولا تزال حماس تراهن على انهيار السلطة في رام الله وتفاعلات أزمتها، كما تراهن السلطة على سقوط حماس في غزة، حيث يتم إحكام الحصار والتضييق ولا يزال ركام الدمار ورائحة الموت تلف غزة، بعد أن تعثرت جهود إعادة الإعمار بسبب إغلاق المعابر الإسرائيلية والعربية واستمرار الحصار وضرب كل محاولات فك الحصار، مما يعني أن الحصار والإغلاق هما استمرار للإبادة التي بدأتها إسرائيل قبل المحرقة. وسوف يأتي العام الجديد والشقة تتسع بين الإخوة الأعداء في فلسطين، ويتواتر الحديث عن عدوان إسرائيلي جديد هددت به ليفني عقب فرارها من سيف القضاء البريطاني. فهل تحدث معجزة تدفع الفلسطينيين إلى المصالحة وتدفع إسرائيل إلى تغيير مشروعها وأن ترنو إلي سلام واستقرار ينشده الجميع مع ترانيم وصلوات العام الميلادي الجديد؟!.
وهل لا يزال العالم العربي يراهن على غيره ويتخلى عن دوره في فلسطين أم تدب فيه روح جديدة فتعيده لاعبا في ساحات فلسطين والعراق واليمن والسودان والصومال قبل أن يتسع الرتق على الراتق؟