التربية في مربعها الإنساني.. الاحترام (3 من 5)

كان الحديث عن الركن الأول, وهو ركن المحبة, وتبين لنا أن الإنسان يأتي لهذه الدنيا وعنده وعاء نفسي خاص بمشاعر الحب ولا تستقر نفسه ولا تتوازن شخصيته إلا بمقدار ما يمتلئ هذا الوعاء من الحب, فالتربية لا بد أن تبدأ بالحب, ولا بد للطفل أن يستقبل جرعات من الحب من والديه قبل تربيتهم له وأثنائها, لا بل إن حبهم له وإظهار هذا الحب في تعاملهم وعلاقتهم به هما التربية بذاتها. وعرفنا أيضا أن الحب هو الذي يشعر الطفل بقبوليته عند والديه, وهذا الشعور بالمقبولية ضروري ليجعل التربية عاملا فاعلا في نفس الطفل وفي شخصيته, فمشكلة كثير من الأطفال في علاقتهم مع أسرهم وشكوى كثير من الآباء والأمهات من عدم نجاحهم في استقطاب أبنائهم لهم لعل سببه الرئيس هو هذا العامل المهم وهو عدم شعور هؤلاء الأطفال بأهميتهم ومقبوليتهم عند أسرهم, ما يجعلهم أكثر ميلا للتأثر بما هو خارج أسرهم والبيت, وبالتالي قد يوفق هذا الإنسان فيصلح بصلاح هذا الخارج, والمشكلة, وربما هذه الحقيقة هي الأقرب في الوقت الحاضر, أن يفسد هذا الإنسان لأن عوامل الفساد هي الأكثر نشاطا وحضورا في المجتمع. وإذا كان الحب يجعل الإنسان أكثر توازنا في شخصيته وأكثر ارتياحا في علاقته مع أهله لإحساسه بالمقبولية عندهم، فإنه من الضروري أن نظهر هذا الحب، لأن وجوده من غير أن نظهره ولا يشعر به الطرف الآخر, وهم هنا الأبناء, يقلل من فرص نجاحنا في تربيتهم, فاستخدامنا التعبير المباشر والعبارات الواضحة عن مشاعر الحب تجاههم في توجيهاتنا ونصائحنا, حتى عند توبيخنا وعقوبتنا لأبنائنا ضرورة تربوية, وكذلك هي المهارات الأخرى, لأن إظهار الحب في حاجة إلى لغة مشاعرية, ومن الضروري أن نجيد بعض فنون هذه اللغة حتى نخطو الخطوة الأولى والأهم في تربيتنا لأبنائنا.
أما الركن الثاني في هذا المربع الإنساني للتربية فهو حق من حقوق الطفل علينا, وهو حقه علينا أن نشعره بالاحترام من قبلنا, فهناك غريزة إنسانية طبيعية عند الإنسان وهي الحاجة إلى أن يحترم من قبل الآخرين، حتى إن الإنسان عندما يسعى إلى امتلاك القوة فهو يسعى إلى ذلك من أجل أن يشبع هذه الغريزة في داخله, وأن القوة وسيلته للحصول على مثل هذا الاحترام. وبما أن الموقع الإداري أو الحصول على منصب المدير أو المسؤول هو في الحقيقة امتلاك قوة أو سلطة على الآخرين, وبالتالي يكون هذا المنصب الإداري هو الآخر وسيلة لإشباع غريزتنا الطبيعية للشعور بالاحترام من قبل الآخرين, والتنافس في هذا الأمر ليس مشكلة أو أمرا غير طبيعي. لكن المشكلة عندما يكون هناك نقص مرضي في شعور الإنسان النفسي باحترام الآخرين له, فإن هذا الإنسان المريض نفسيا, الذي يعاني مرض عقدة الشعور بالدونية يتحول هذا الإنسان إلى إنسان انتهازي يسعى بكل الوسائل إلى الحصول على المنصب الإداري ظنا منه أنه سيحترم من قبل الآخرين, وبالتالي يتخلص هو من عقدة الشعور والإحساس بالدونية. ولن يتحقق هذا الاحترام لذلك الإنسان المتزلف والانتهازي، بل قد يزداد احتقار الناس له وإن أظهروا له الاحترام شكلا لا قلبا, وبذلك يزداد عنده الشعور بعدم احترام الآخرين له, وتتضخم عنده عقدة الشعور بالدونية, وربما يتحول هذا الإنسان بفعل هذا الورم السرطاني النفسي إلى إنسان متسلط وعنيف ومستبد يتلذذ باحتقار الناس وتعذيبهم انتقاما منهم لعدم احترامهم له بقلوبهم لا بوجوههم حتى يشبع هذه الغريزة الطبيعية في داخله التي عندها القدرة على التمييز بين الاحترام الحقيقي والاحترام المزيف. وصدق التحليل الاجتماعي الذي يفسر لنا هذه الكثرة من المنافقين والمتزلفين في مجتمعاتنا, وكثرة الاستبداد عندنا وتحول الإدارة إلى سلطنة في ثقافتنا, لأننا فعلا نعاني عقدة الشعور بالدونية والذل وعدم الاحترام, وللتربية دور في تحول هذا المرض النفسي إلى ظاهرة اجتماعية.
التربية التي تولي اهتمامها لموضوع الاحترام وإشباع هذه الغريزة الطبيعية النفسية في داخلها، فإنها تنتج لنا إنسانا لا يحمل الشعور بالنقص ولا يختزن في داخله عقدة الدونية، لأن وجود الشخص غير السوي نفسيا سيعيش تحت ضغط الحاجة إلى إشباع هذا النقص النفسي، وقد لا تتيح له الحياة في مراحل ما بعد الطفولة معالجة هذا النقص النفسي, وبالتالي يبقى يعيش مع نقصه ومرضه، وينعكس ذلك على سلوكه وعلاقاته مع الآخرين. الإحساس بالاحترام مكون مهم في ثقة الإنسان بنفسه, فعدم وجود هذا الإحساس هو اقتطاع قدر كبير من هذه الثقة بالذات, والنتيجة هي شخصية قلقة وغير مستقرة.
أما كيف نجعل التربية الوسيلة للتعامل بشكل إيجابي مع هذه الغريزة النفسية, وكيف نستطيع من خلال الفعل التربوي أن نشبع هذه الحاجة المتأصلة في نفس الإنسان فهناك كثير من الأسس والمفاهيم التي يجب أن نلم بها ونعمل في إطارها حتى يتسنى لنا إيجاد المناخ التربوي الذي يتيح للطفل الإحساس بقيمته واحترام الآخرين له, هذه بعض المفاهيم نذكرها ونستعرضها ولكن بشكل موجز:
1 - عدم التعامل مع الطفل على أنه إنسان لا يفهم, الطفل قد لا يعي عواقب الأمور وقد لا يستوعب ارتباط كثير من الأسباب بنتائجها, لكن كل هذا في إطار قلة خبرة وليس هو عدم فهم, فالطفل يفهم وهو فهم يتناسب مع مرحلته العمرية. نحن نجنح في كثير من ممارساتنا التربوية إلى الإيعاز إلى الطفل بأنه لا يفهم أو أنه عاجز عن أن يستوعب الأمور على حقيقتها, وهذا بدوره ينعكس سلبا على إحساس الطفل باحترام الآخرين له, وقد ينمو هذا الشعور ليصل إلى مستوى العقدة النفسية وعندها ينعكس ذلك على نمو شخصية الطفل في المستقبل. وهناك كثير مما يجب الأخذ به للتخلص من علاقة تربوية مبنية على أساس أن الطفل لا يفهم, ومن هذه الأمور المهمة الحوار مع الطفل, فالحوار بقدر ما هو يطور من خبرة الطفل في الحياة، فإنه يجنب الطفل الإحساس بعدم اكتراث الآخرين به وضرورة الاستسلام لما يريدون منه. الأمر الآخر هو حسن الاستماع للطفل, فمن الضروري أن تتاح الفرصة للطفل،لأن يتكلم ويعبر عما يشعر به, وكلما اطمأن الطفل لحقه في الكلام والتعبير عن نفسه زاد من إحساسه بأنه شخص محترم, ونمو هذا الإحساس بشكل طبيعي ينتج لنا إنسانا لا يحمل عقدة الشعور بالنقص والدونية.
2 - إتاحة الفرصة ولو بالتدرج للمشاركة في إدارة شؤون نفسه وأسرته, فتحمل المسؤولية والمشاركة في اتخاذ بعض القرارات هما من أفضل التجارب التي تتيح الفرصة للطفل أن يحسن من إحساسه بالشعور باحترام الآخرين له. كيف للطفل أن ينمي قيمته لذاته وهو مغيب عن أي مشاركة أو مشاورة في الأمور التي تخصه هو وأسرته؟ هناك اعتقاد خاطئ بأن من مصلحة الطفل ألا نثقل عليه بتحمل المسؤولية مبكرا, لكن بتفكير كهذا نحن نحسس الطفل بعدم أهميته وينتج من هذا الإحساس الشعور بعدم الاحترام.
3 - عدم التعامل مع الطفل على أنه ضعيف, من الضروري ألا نجعل من نصائحنا أو توجيهاتنا لهم وحرصنا عليهم أن يشعر بأنه إنسان ضعيف, فالإيحاء للطفل بأنه إنسان ضعيف يقلل من ثقته بنفسه ولا يتيح لقدراته أن تنمو وتتكامل في شكلها الطبيعي. والإنسان الذي يشعر بأنه ضعيف يصاحبه شعور أيضا بأنه غير محترم. هناك من يخلط بين محبة الطفل واستضعافه ظنا منهم أن مثل هذا الشعور هو تأكيد للطفل على محبتهم له وهو أيضا وسيلة لتجنيب الطفل ما قد يلحق به الضرر.
الشعور بالنقص وعدم الإحساس بالاحترام من قبل الآخرين مشكلة تربوية يجب الحذر منها في المراحل المبكرة للطفل, فالإنسان الذي يعاني هذه المشكلة، الذي تنمو شخصيته وهي تحمل هذه العقدة هو إنسان مريض نفسيا. الزوج الذي يتحسس من اعتراض زوجته على بعض آرائه وقراراته هو ربما إنسان يعاني عقدة الشعور بعدم الاحترام, والمدير الذي ينتهج في إدارته منهجا تسلطيا هو أيضا ربما يعاني هذه المشكلة, والإنسان الذي يخاف من الحوار ربما هو الآخر قد يعاني المشكلة نفسها، لأنه ربما ينظر إلى الحوار على أنه وسيلة الآخرين للتعبير عن عدم احترامهم لرأيه وهكذا. وللحديث تتمة .

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي