التنين الصيني يتطلع إلى زعامة العالم في القرن الحالي
كل دول العالم القريبة من الصين والبعيدة منها باتت مهتمة بالشأن الصيني, حتى في خضم الأزمة الاقتصادية العالمية كان الموضوع الصيني وما قد ستلحقه الأزمة من هزات وآثار سلبية بالاقتصاد الصيني وما قد يتبع ذلك من احتمال حدوث اضطرابات وعدم استقرار في الداخل الصيني هو أحد أهم الموضوعات المطروحة على الساحة الدولية, وكان له شأن كبير من اهتمام الدول الكبرى في مباحثاتها الثنائية والموسعة. لا بل إن الولايات المتحدة لم تجد غير الصين لتستنجد بها من أجل أن تمدها بالأموال اللازمة لإنقاذ بنوكها وشركاتها المنهارة بفعل الأزمة, فكانت الأموال الصينية هي التي أعادت الحياة لبنوك أمريكا الكبرى بعد أن أطاحت بها القروض المتعثرة والفاسدة, وكانت الأموال الصينية هي التي أعادت فتح وتشغيل شركات السيارات الأمريكية بعد أن أقعدتها وشلت حركتها شدة المنافسة وضعف المبيعات وضخامة الديون المتراكمة عليها. العالم يزداد اقتناعا كل يوم بأن الصين ماضية في نهضتها الصناعية والعلمية والتقنية وأن المشككين في قدرة الصين على الاستمرار في نهضتها باتوا قلة وصار العالم ينظر إلى الصين على أنها الدولة القادمة حتما لقيادة العالم, وقد يتحقق مثل هذا الأمر قبل أن ينتهي النصف الأول من القرن الـ 21.
هناك مؤشرات كثيرة يمكن الرجوع إليها لقياس مقدار النهضة الاقتصادية التي تعيشها الصين في الوقت الحاضر, فإذا كان المقياس عند أحد المسؤولين في شركة فيليبس الهولندية الملكية في الصين هو متوسط عدد المصابيح في البيت الصيني, فمتوسط عدد الإضاءات في البيت الصيني الريفي انتقل من الصفر إلى ثلاثة مصابيح, وهذا مؤشر مهم تحتفي به الشركة الهولندية, لأن أي زيادة فيه, وهو أمر محتم في المستقبل, سينعكس على أرباحها التي وصلت عام 2005 إلى ما يقارب خمسة مليارات دولار, فإن الصين تعطينا كل يوم مزيدا من المؤشرات التي تؤكد تقدمها بسرعة في الطريق إلى زعامة العالم. اقتصاد الصين ينمو بسرعة, إنه ينطلق كالصاروخ كما يقول عنه أحد الخبراء الاقتصاديين الغربيين, فالصين تجاوزت المملكة المتحدة, وهي رابع اقتصاد في العالم, وربما الآن تجاوزت الاقتصاد الألماني, وهو ثالث اقتصاد في العالم, ولم يبق لها إلا أن تطيح بالاقتصاد الأمريكي المتربع على عرش العالم وربما ما ستؤول إليه الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية قد يعجل ويسهل مهمة الصين في إزاحة أمريكا من طريقها إلى القمة, فديون الصين على الولايات المتحدة تجاوزت التريليون دولار وعجز أمريكا التجاري مع الصين أوشك على الوصول إلى عتبة 300 مليار دولار.
في الأسابيع الماضية وردت أخبار من الصين تؤكد أنها فعلا في تحول حقيقي, وأن مثل هذا التحول يؤكد للعالم أن نهضة الصين ليست فقط اقتصادية, بل هي تنهض بنفسها كدولة عملاقة اقتصاديا وعلميا وتكنولوجيا وسياسيا. فأول هذه الأخبار التي وردت إلى أسماع العالم خبر رياضي ولكنه له دلالة في هذا المجال, فلقد استطاعت رياضية صينية أن تحطم وفي مسابقة واحدة عشرة من الأرقام القياسية العالمية في رفع الأثقال, هذه الأرقام وإن لم تسجل عالميا لهذه اللاعبة, لأن المسابقة كانت محلية, إلا أنها مؤشر قوي على أن زعامة الصين وحضورها العالمي بالتأكيد لن ينحصر في المجال الاقتصادي. أما الخبر الثاني فهو عن سبق الشركات الصينية في إنتاج المصل الواقي لإنفلونزا الخنازير, فلقد منحت منظمة الصحة العالمية موافقتها ومباركتها لشركتين صينيتين كأولى شركتين عالميتين لتصنيع وإنتاج المصل الواقي لهذا الوباء, الذي بات يقلق دول العالم. صحيح أن شركات كثيرة وفي دول مختلفة في العالم كانت قد أكملت استعدادها لإنتاج المصل المطلوب ولكن أن يكون السبق للشركات الصينية فهو أمر له أهمية في التأكيد على أن الصين هي فعلا تسابق العالم وتجتهد لأن تكون لها أسبقية وريادة في مختلف الأمور.
ومن بين المؤشرات الأخرى التي تحكي عن نهضة الصين هي الزيادة في عدد المليارديرات الصينيين في السنة الحالية, فعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية العالمية وعلى الرغم من تأثر الصين نفسها بهذه الأزمة, وعلى الرغم من أن الأغنياء في العالم عموما قد انخفضت ثرواتهم بفعل هذه الأزمة, إلا أن الصين عكست الحالة وشهدت زيادة في عدد من يمتلكون أكثر من مليار دولار, فعدد المليارديرات في الصين في العام الماضي كان 103 مليارديرات وارتفع هذا العدد إلى 130 مليارديرا في السنة الحالية, فهناك ما يقارب 30 مليارديرا صينيا جديدا يدخل قائمة الأغنياء في العالم, إنها زيادة ليست ببسيطة في عام وصف بأنه العام الأسود على وزن يوم الإثنين الأسود, لأن ما شهدها هذا العام من مشكلات وأزمات اقتصادية لم يشهد مثلها العالم في تاريخه الحديث. أما المؤشر الآخر وهو مهم جدا ليس فقط للصينين وإنما للعالم أيضا وهو ارتفاع مؤشر النمو للاقتصاد الصيني بما يفوق عتبة الـ 8 في المائة التي كان ينظر إليها على أنها نسبة النمو التي يمكن للصين بها أن تحفظ استقرارها وأن تجنبها من الدخول في اضطرابات اجتماعية ما ينعكس ذلك حتما على الاستقرار السياسي في العالم. لا بل إن المؤشرات القادمة من الصين تشير إلى أن الصين خرجت فعلا من أزمتها الاقتصادية, وأنها ستحقق مستويات من النمو ستصل إلى 9 في المائة وهو هو المعدل الطبيعي للاقتصاد الصيني, ويعني ذلك أن الصين استطاعت أن تواصل تقدمها وصعودها إلى مستوى القمة.
هناك الكثير والكثير من المؤشرات التي تدعم فكرة أن الصين تتقدم بسرعة إلى زعامة العالم في المستقبل القريب, ولكن هناك أيضا في المقابل من يرفع يده متحفظا على إمكانية حصول مثل هذا الأمر في المستقبل المنظور, فهؤلاء يؤكدون أن هناك طريقا طويلا أمام الصين لتكون فعلا دولة قيادية في العالم. وأول هذه التحفظات يتعلق بكفاءة الاقتصاد الصيني, فالنمو في الاقتصاد الصيني هو فعلا نمو كبير وبنسب عالية ولكنه نمو مكلف اقتصاديا وبيئيا. المنتج الصيني يستهلك ما يقارب عشرة أضعاف ما يستهلكه المنتج الأمريكي من المواد الأولية وهكذا استنزاف للمواد الأولية قد لا يمكن الصين من الاستمرار في نموها الاقتصادي, والمنتج الصيني يستهلك ما يقارب ستة أضعاف ما يستهلكه المنتج الأمريكي من الطاقة, وهذا أيضا مؤشر آخر على عدم الكفاءة في كلا الإطارين الاقتصادي والبيئي. صحيح أن الصين تحقق تقدما ممتازا في الصناعات الخضراء وأن معظم المليارديرات الجدد قد حققوا ثرواتهم في قطاع الصناعات الخضراء إلا أن سجل الصين في مجال البيئة ما زال قاتما جدا وأن ما تدفعه من تدهور بيئي في مقابل نموها الاقتصادي يثير كثيرا من القلق في الأوساط العالمية داخل الصين وخارجها.
بلا شك أن القرن الحالي سيشهد تحولات وتبدلات كثيرة في شكل العالم وتنتظر دول العالم ليرى من ستكون له زعامة العالم, فالدول المتقدمة التي تقود العالم في الوقت الحاضر تمر بأزمات كبيرة وثقيلة, وفي المقابل هناك دول مثل الصين تتقدم بسرعة اقتصاديا وعلميا, بل إن مثل هذه الدول صارت تنتفع من مشكلات وأزمات العالم وبالأخص أزمات الدول المتقدمة لتؤكد حضورها العالمي وأهليتها لقيادة العالم. الصين في نهضتها تقدم تجربة مثيرة فيها من الدروس والعبر ما يمكن الاستفادة منها, فالنهوض بدولة سكانها يفوق المليار إنسان وبتركة ثقيلة من المشكلات السياسية والاجتماعية يعني أن هناك تحولا وإعادة هيكلة للمجتمع الصيني جعلت منه مجتمعا قادرا على أن يستوعب متطلبات هذا النهوض, فإعادة هيكلة المجتمع وإعادة تشكيله ثقافته الجمعية هي من الضرورات لأي مجتمع للارتقاء بنفسه, وهذا ما نجحت فيه الصين لتحقق معجزتها الاقتصادية, وطالما استمر مثل هذا التحول الاجتماعي في مسار إيجابي فإن الصين في النهاية ستقود العالم أو على الأقل ستكون شريكا رئيسا في قيادة العالم في القرن الحالي. وأخيرا يمكن القول هل القمة الإفريقية ـ الصينية الأخيرة التي عقدت في مصر فعلا بداية عقد استعمار جديد لإفريقيا من قبل الصين كما تدعي ذلك وتشير إليه الصحافة الغربية أم هي مؤشر حقيقي لامتداد الصين في العالم وبداية بروزها كقوة عالمية عظمى في القرن الحالي؟