إعادة تعريف الشراكة المهنية بين القانون والإدارة

ظهر مفهوم الشراكة لدى البشرية منذ العصور القديمة، حيث كان الناس يتقاسمون العمل والأرباح والمخاطر. ومع بزوغ الثورة الصناعية أخذ مفهوم الشراكة يتطور ليصبح أكثر تعقيدًا وأوسع نطاقًا عبر إنشاء شركات كبرى تعتمد على رؤوس أموال متعددة، ومجالس إدارة، وهياكل مؤسسية واضحة. ثم ما لبث هذا التطور أن انتقل إلى الشركات المهنية بحلول القرن الـ20 مع صعود الاحتياج للخدمات الاستشارية، حيث أخذت الشراكات المهنية بنماذج متعددة للشراكة تتجاوز المساهمة المالية التقليدية، مثل الشريك المالك "Equity Partners" والشريك بلا ملكية "Non-Equity Partners".
هنا برز مفهوم "الشريك بلا ملكية" الذي يمثل تطورًا نوعيًا في البنية المؤسسية. فالشريك بلا ملكية ليس مجرد موظف رفيع المستوى، بل هو فاعل إستراتيجي يشارك في صياغة القرار وتوجيه مسار المكتب نحو النمو والاستدامة. وتكمن قيمته في ما يقدمه من رأسمال غير مالي كعملاء رئيسيون، خبرات تخصصية، شبكة علاقات، أو سمعة مهنية. هذا التحول يبرز إدراكًا بأن رأس المال المعاصر لم يعد محصورًا في الأموال السائلة والأصول، بل أصبح يشمل أيضًا الرأسمال الفكري والعلاقات والسمعة السوقية، وهي عناصر قادرة على صنع الفارق بين المكاتب في قدرتها على اجتذاب العملاء الكبار أو الدخول في تحالفات دولية أو الحصول على تصنيفات مهنية مرموقة.
ظهر هذا النموذج لأول مرة بوضوح في شركات الاستشارات الكبرى Big Fourخلال فترة التوسع العالمي في الثمانينيات والتسعينيات، كآلية لإدارة المسار المهني ومنح الخبراء المتميزين اعترافًا يوازي لقب الشريك دون أن يقترن بالملكية. وكان الهدف تقليل صعوبة منح حصص ملكية لكل من يصل إلى هذه المرتبة، عبر ابتكار صيغة "الشريك بلا ملكية" أو "الشريك باللقب"، بحيث يصبح هذا اللقب جزءًا من السلم المهني: مرحلة انتقالية بعد المدير التنفيذي أو الشريك المنتدب وقبل الوصول إلى صفةEquity Partner.
أسهم هذا النموذج في خلق طبقة وسطى من القادة داخل المؤسسات المهنية، يُنظر إليهم بوصفهم أصولًا إستراتيجية ينبغي الحفاظ عليها. ومن منظور نظرية الوكالة، شكّل هذا الترتيب وسيلة لتقليل تضارب المصالح بين الملاك التنفيذيين والقيادات المهنية. بينما من منظور نظرية المنظمة القائمة على المعرفة Knowledge-based view of the firm، فإنه يمثل أداة لترسيخ الميزة التنافسية عبر تراكم الخبرة والمعرفة بدلًا من الاكتفاء بتراكم رأس المال المالي.
لاحقًا، انتقلت الفكرة إلى مكاتب المحاماة التي كانت لعقود تربط لقب الشريك بالملكية ارتباطًا صارمًا. ومع اشتداد المنافسة وارتفاع تكلفة استقطاب المحامين المتميزين في التسعينيات، تبنت المكاتب الكبرى في الولايات المتحدة وبريطانيا النموذج الإداري للشراكة دون فتح باب الملكية، كوسيلة للاحتفاظ بالكفاءات ومنحهم المكانة المهنية. وتشير الإحصاءات إلى أن 27% فقط من أكبر 100 مكتب محاماة عالمي ضموا شركاء بلا ملكية عام 1994، بينما ارتفعت النسبة إلى نحو 87% عام 2024، وهو تحول جذري أعاد تعريف "الشراكة" بين الملكية والمكانة المهنية.
جاء نظام الشركات المهنية السعودي 2020 بمرونة ملحوظة، إذْ سمح بتأسيس شركات مهنية متعددة التخصصات وبمشاركة مستثمرين غير مهنيين في بعض الحالات. لكنه لم ينص صراحة على "الشريك بلا ملكية"، وأبقى على وجوب أن يسهم الشريك المهني بحصة ملكية ولو رمزية في رأس المال. ومع ذلك، فإن الممارسة العملية واللوائح الداخلية قد تتيح صياغة نماذج قريبة من مفهوم Non-Equity Partners عبر منح ألقاب شراكة اعتبارية غير مرتبطة مباشرة بالملكية.
يثير هذا النموذج إشكالات قانونية: هل يُعامل الشريك بلا ملكية باعتباره ملزمًا بالتضامن؟ أم يُنظر إليه كشريك إداري لا يتحمل المسؤولية تجاه الغير؟ التجارب الدولية حسمت هذه المعضلة بتصنيفه كـ"شريك إداري" يتمتع بالصلاحيات المهنية دون أن يكون مالكًا قانونيًا، وبذلك يتحقق التوازن بين الشكل النظامي والواقع الإداري. وعلى مستوى الحوكمة، يمثل الشريك بلا ملكية أداة لإعادة هندسة الهرم المهني داخل المكاتب. فهو يوسع مفهوم الشراكة كهوية مهنية وليس مجرد رابطة مالية، ويمنح المكاتب مرونة في إبراز القيادات الشابة واستقطاب الخبرات الدولية دون تعديل الملكية. وهنا تبرز أهمية إصدار الهيئات المهنية لأدلة الاسترشادية ولوائح لضبط العلاقة وتوضيح حقوق وواجبات هذه الفئة، بما يمنع التضليل ولحفظ حقوق الأطراف.
إنَّ إدخال هذا النموذج في المكاتب السعودية يمكن أن يشكل تحولًا مؤسسيًا يخرجها من إطار الممارسات الفردية أو العائلية إلى إطار مؤسسي قائم على شراكات متنوعة، ويمنحها القدرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا. لكنه يتطلب أطرًا تعاقدية دقيقة وثقافة مهنية داخلية تؤمن بقيمة الإنسان قبل رأس المال. إنَّ نموذج الشريك بلا ملكية ليس تغييرًا قانونيًا بقدر ما هو تغيير إداري ومهني في سلم القيادة والاعتراف بالكفاءات، ويبرز تطورًا إداريًا يستند إلى رأس المال البشري والمعرفي. إن مستقبل المكاتب المهنية في السعودية لن يُبنى فقط على رأس المال المالي، بل على رأس المال المعرفي والبشري. وهنا يأتي دور الشريك بلا ملكية كجسر إستراتيجي يُحَّول المكاتب من جهود فردية إلى مؤسسات مستدامة قادرة على المنافسة العالمية.

مستشار قانوني

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي