النمو السكاني وضغط الموارد
مع تجاوز عدد سكان العالم نحو ثمانية مليارات عقب إعلان لإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية نشر على موقع الأمم المتحدة، فإن دول العالم ستواجه تحديات مع بلوغ عدد سكان الأرض هذا الرقم، ومن المتوقع أن يستمر عدد سكان العالم في النمو لكن بوتيرة أبطأ، ففي عام 2020، انخفض معدل النمو السكاني العالمي إلى أقل من 1 في المائة سنويا لأول مرة منذ عام 1950، كما يشير التقرير إلى أن عدد سكان العالم يمكن أن ينمو إلى نحو 8.5 مليار في عام 2030 و9.7 مليار في عام 2050، ومن المتوقع الوصول إلى ذروته عند نحو 10.4 مليار شخص خلال ثمانينيات القرن الـ20 والبقاء عند هذا المستوى حتى عام 2100.
ويعود سبب النمو السكاني جزئيا إلى انخفاض مستويات الوفيات، حيث بلغ متوسط العمر المتوقع 72.8 عام في 2019، بزيادة تسعة أعوام تقريبا، ومن المتوقع أن يصل متوسط العمر إلى نحو 77.2 عام على مستوى العالم في 2050، وتشير التقارير إلى أن متوسط العمر المتوقع للإناث والذكور 73.8 و68.4 على التوالي، أي أن متوسط العمر للنساء يزيد على متوسط العمر المتوقع للرجال بمقدار 5.4 عام على مستوى العالم. ومع انخفاض معدل الوفيات، فمن المتوقع أن يستمر النمو السكاني حتى عندما تبدأ الخصوبة بالانخفاض، ففي 2021، بلغ متوسط خصوبة سكان العالم 2.3 ولادة، اثنان لكل امرأة على مدى العمر، بعد أن انخفض من نحو خمس ولادات لكل امرأة في 1950. ومن المتوقع أن تنخفض الخصوبة العالمية إلى 2.1 مولود لكل امرأة بحلول 2050، ومن المهم هنا الإشارة إلى أن مفهوم العائد الديموغرافي هو النمو الاقتصادي المتسارع الذي قد ينتج عن انخفاض معدلات المواليد والوفيات في بلد ما والتغير اللاحق في الهيكل العمري للسكان. فمع وجود عدد أقل من المواليد كل عام، ينخفض عدد السكان المعالين من الشباب في الدولة مقارنة بالسكان في سن العمل. ومع وجود عدد أقل من الأشخاص الذين يجب دعمهم، فإن الدولة لديها فرصة سانحة للنمو الاقتصادي السريع إذا تم تطوير السياسات الاجتماعية والاقتصادية الصحيحة وإجراء الاستثمارات.
وفي هذا الشأن، فإن التطورات في مجال الصحة أدت إلى إطالة العمر وخفض معدلات وفيات الأمهات والأطفال بشكل كبير، وفي الوقت نفسه، يعد هذا تذكيرا بالمسؤولية المشتركة تجاه رعاية كوكبنا ولحظة للتفكير في المكان. وفي هذا الاتجاه يحتاج كل شخص إلى الوقود، والخشب، والمياه، وإلى مكان يعيش فيه، لذلك تظهر الأسئلة حول كفاية الموارد على الأرض لمقابلة هذه الاحتياجات. والعلاقة بين النمو السكاني والتنمية المستدامة معقدة، فالنمو السكاني السريع يعقد قضايا الفقر والجوع وسوء التغذية، وتزيد الحاجة إلى نظم صحية وتعليمية أكثر كفاءة، وهذا يتطلب مزيدا من الموارد للمحافظة على رأس المال البشري المنتج، وأن زيادة أعداد البشر في دولة لا تعني زيادة رأسمالها البشري ما لم تكن تلك الزيادة مصحوبة بالتقدم الصحي والتعليمي، وهذا هو الذي يوجد قلقا لدى المهتمين، فزيادة أعداد البشر تتسبب في زيادة تنافسيتهم مع الحياة البرية على الماء والغذاء والأرض.
ونلاحظ في التقرير الأممي أن بلدان إفريقيا جنوب الصحراء ستسهم بأكثر من نصف الزيادة المتوقعة في عدد السكان حتى 2050، فالمشكلة تكمن في المساحة من الأرض التي يعيش فيها نحو 738 مليون شخص دون إمدادات غذائية كافية، ومن المتوقع أن يقفز عدد السكان 95 في المائة بحلول منتصف القرن، وفقا لمعهد الاقتصاد والسلام.
وحذر مركز الأبحاث في تقرير صدر في تشرين الأول (أكتوبر) من أن كثيرا من مناطق إفريقيا جنوب الصحراء لن تكون مستدامة بحلول منتصف القرن. ولذلك، ينبغي للبلدان أن تستثمر في زيادة تطوير رأسمالها البشري من خلال ضمان الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم الجيد في جميع الأعمار وتعزيز فرص العمالة المنتجة والعمل اللائق، ولذا يرى الخبراء أن ضغط الموارد سيكون مروعا بشكل خاص في الدول الإفريقية. جدير بالذكر في هذا السياق الإشارة إلى خطر تحويل الغذاء والطاقة إلى "سلاح" وأن اندلاع النزاع في أوكرانيا قد يقود إلى أزمة جوع عالمية، وأن الطعام يستخدم سلاحا في الحرب بعدة طرق مختلفة، فإغلاق الموانئ سيؤدي إلى مجاعات وزعزعة استقرار وهجرة جماعية في جميع أنحاء العالم.
وتمثلت التحديات الخطيرة التي تواجه العالم في اتساع الفجوة بين الدول في الحصول على الغذاء والمياه وتوفير المسكن والعمل. ولذلك، لا بد من سرعة الكشف عن توقعات نقص المياه حول العالم وضرورة التخطيط لتعمير المناطق النائية، نظرا إلى زيادة النمو السكاني في المدن. وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن أكثر من 200 مليون امرأة حول العالم لم تحصل على المشورة الصحيحة لتنظيم الأسرة والحث على ضرورة توفير التعليم لهؤلاء النساء.
كما أن تزايد عدد المسنين في الوقت الحالي يعد من ضمن التحديات التي تواجه العالم.
وتلخيصا لهذا الوضع في التزايد السكاني المستمر، أبدت الأمم المتحدة قلقها من أن سرعة النمو السكاني في الدول الأكثر فقرا، كما هو الحال في جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا، سيضع أجيال المستقبل في مصيدة الفقر والجوع. ومع تزايد اعتماد العالم على الشحن الدولي والموانئ، فإن اندلاع مزيد من النزاعات قد يؤدي إلى تهديدات واسعة النطاق لسلاسل الإمداد، وهو ما يؤثر في حياة الملايين في أنحاء مختلفة من العالم. وبمناسبة بلوغ العالم هذا التعداد، فإنه من الواجب اليوم اتخاذ تدابير تمنع استخدام الغذاء وسلاسل الإمداد سلاحا مهما كانت المبررات.