منافذ التنمر ومفاتيح التقنية
يعد التنمر الإلكتروني من التحديات التي تواجه عصرنا اليوم، عقب توسع استخدام الأجهزة التقنية في جميع مناحي الحياة التي أصبحت تسيطر على حركة الناس يوميا، وهذا الوضع أثر في المجتمع، خاصة بعد تطور العصر الرقمي المتسارع يوميا، بل كل ساعة وأخرى، ويحتاج هذا الأمر إلى يقظة مستمرة، وعلى المجتمع أن يطور أدواته لمواجهة هذا التحدي الجديد الذي أصبح أمرا واقعا. والتنمر الإلكتروني هو جريمة تمت باستخدام التقنيات الرقمية، ويمكن أن يحدث على وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات المراسلة ومنصات الألعاب والهواتف المحمولة، وهو سلوك متكرر يهدف إلى إخافة المستهدفين به أو استفزازهم أو تشويه سمعتهم.
وعلى هذا الصعيد، نشرت "الاقتصادية" تقريرا مثيرا للجدل بشأن أحد أخطر الظواهر الاجتماعية الحديثة، وهو التنمر الإلكتروني، ورغم أن هذه الظاهرة مرصودة في علم الاجتماع منذ سبعينيات القرن الماضي، وكانت تعرف باسم "المهاجمة" قبل أن يصبح مصطلح التنمر هو الأكثر شيوعا، فإنه عموما له ثلاثة مكونات، هي شعور المتنمر بأنه أعلى "قوة" من الضحية، ما يجعله يعقد "النية" على إلحاق الأذى بالضحية، سواء كان أذى لفظيا أو جسديا بشكل "متكرر". وتشير التقديرات من دول عديدة إلى أن المتنمرين يشكلون نحو 24 في المائة من السكان في سن المدرسة، وعدد الضحايا يصل إلى 44 في المائة، ما يدل على أن المتنمر يهاجم أكثر من ضحية. وتؤكد الأبحاث أن هناك رابطا بين التنمر والمشكلات الصحية العقلية، مثل الاكتئاب والقلق والشكاوى النفسية الجسدية والتفكير الانتحاري. وأوضحت الإحصائيات أن النساء أكثر تعرضا للتنمر من الرجال بـ46 في المائة، وتتعرض ست من عشر نساء لفقدان الثقة وازدياد الخجل والخوف، وقد يصل الأمر بالضحايا إلى الاكتئاب أو حتى الانتحار، فنحو 8.7 في المائة ممن تعرضن للتنمر حاولن الانتحار، في حين نحو 26 في المائة فكرن في ذلك.
ومع التقدم التكنولوجي، وجد هذا السلوك العدواني فرصا أكثر، فالتنمر العادي يحدث فقط بعيدا عن المنزل، وكانت بيئته ملاذا آمنا، لكن مع انطلاق الثورة المعلوماتية وانتشار الإنترنت وتعدد وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح التنمر الإلكتروني واسع النطاق أيضا، ما منح المتنمر القدرة على الوصول إلى الضحية في أي وقت وأي مكان، كما يمكنه من الوصول إلى فئات سنية لم يكن يستطيع الوصول إليها في الواقع، فالظاهرة كانت مرتبطة بالمراهقين في المدارس، وبين متماثلين في الجنس، لكن التقنية الحديثة مكنت من وصول البالغين إلى المراهقين والأطفال، وتؤكد الدراسات في مختلف البيئات والدول أن ما بين 20 إلى 40 في المائة من المراهقين، قد تعرضوا للتنمر الإلكتروني Cyberbullying.
ويأتي التنمر الإلكتروني، وفقا للدراسة التي نشرتها "الاقتصادية" في أشكال عدة، كالكذب عبر انتحال الشخصيات، أو بإرسال رسائل مزيفة، وقد يأتي في شكل سخرية بنشر الصور ومقاطع الفيديو المحرجة للضحية عبر الإنترنت، ويأتي على هيئة تخويف أو تهديد عبر الرسائل الإلكترونية، وهذا النوع الأخير يتطلب من المتنمر اختراق أجهزة الضحية. وبحسب الإحصائيات، يبلغ عدد من يتعرضون للاختراقات الإلكترونية نحو 820 ألف شخص سنويا، وتشير الأرقام إلى أن 81 في المائة من الانتهاكات تحدث نتيجة استخدام كلمات مرور ضعيفة، أو عدم تسجيل الخروج من الحسابات بعد استخدامها، ما يمكن من الكشف عما تحويه الحسابات والأجهزة من معلومات حساسة، ما يوفر معلومات عن الضحية قابلة للاسترجاع والاطلاع في أي وقت، فهناك نحو 40 في المائة من المراهقين الذين يستخدمون شبكة فيسبوك لديهم ملفات شخصية علنية بشكل جزئي أو كلي، وهذا كله وفر فرصا سهلة للتصيد، وبالتالي قد يستعملها المتنمر لممارسة عمليات الابتزاز العاطفي أو المالي، خاصة مع إهمال كثيرين عوامل الأمان لحساباتهم وأجهزتهم الشخصية، في وقت توفر فيه وسائل التواصل الاجتماعي اليوم ملاذات آمنة للتخفي، ما يمنح المتنمر شجاعة في تكرار الاعتداء مع ضعف قدرة الضحية على إيقافه.
ولا شك أن تنامي هذه الظاهرة يعوق كثيرا من المزايا التي توفرها التقنية الرقمية للبشر، فهي أتاحت فرص التعلم عن بعد والوصول السهل إلى المختصين في الوقت المناسب، وتنفيذ عمليات شراء أو طلب المساعدة.
ونظرا إلى أن مفهوم التنمر الإلكتروني أصبح مفهوما حديثا، فإن كثيرين قد لا يعون تعرضهم لجريمة. وتشير الإحصائيات إلى أن 11 في المائة فقط من المراهقين الذين تعرضوا للتنمر أخبروا والديهم بالحادث، ما يعني أن 89 في المائة ربما اتخذوا إجراءات خارج الدعم الأسري. وتأتي الهند في أعلى الدول التي تم فيها الإبلاغ عن التنمر، حيث بلغت 37 في المائة من إجمالي البلاغات في العالم، تلتها البرازيل 29 في المائة، وجاءت السعودية في المرتبة العاشرة "19 في المائة" من إجمالي البلاغات، وهذا لا يعني أن الدول الأخرى لا تعاني التنمر بشكل قد يكون أكبر مما ظهر في هذه الإحصائيات، وذلك لأن مفهوم التنمر الإلكتروني لم يزل حديثا نسبيا، وهنا لا يوجد اتفاق عالمي على مدلولاته، فمثلا في المملكة المتحدة يتم التبليغ عن التنمر تحت بند التحرش، أو في دول أخرى يعد مجرد مضايقات، وكثيرون لا يعترفون به إلا في حدود المدارس، بينما لا يعد جريمة جنائية تتطلب عقوبة، بل مجرد ظواهر اجتماعية تعالج في سياق توعوي.
وحرصا من المملكة على حماية شعبها ضد هذا النوع من الجرائم، فقد حاربت هذه الظاهرة وما يرتبط بها من ظواهر الاعتداء الإلكتروني من خلال إنشاء هيئة وطنية للأمن السيبراني، كما صدر نظام مكافحة جرائم المعلوماتية بمرسوم ملكي رقم م/17 في 2007، وتضمن في مادته الثالثة العقوبة بالسجن مدة لا تزيد على عام، وبغرامة لا تزيد على 500 ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل شخص يرتكب أيا من الجرائم المعلوماتية الآتية: أولا، التنصت على ما هو مرسل عن طريق الشبكة المعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب الآلي - دون مسوغ نظامي صحيح - أو التقاطه أو اعتراضه. ثانيا، الدخول غير المشروع لتهديد شخص أو ابتزازه، لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه، ولو كان هذا الفعل أو الامتناع عنه مشروعا. ثالثا، الدخول غير المشروع إلى موقع إلكتروني، أو الدخول إلى موقع لتغيير تصاميم هذا الموقع، أو إتلافه، أو تعديله، أو شغل عنوانه. رابعا، المساس بالحياة الخاصة، عن طريق إساءة استخدام الهواتف النقالة المزودة بالكاميرا، أو ما في حكمها. خامسا، التشهير بالآخرين، وإلحاق الضرر بهم، عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة. كما تحتل المملكة المركز الثالث عالميا والأول عربيا في الأمن السيبراني، متفوقة بذلك على دول مثل اليابان وألمانيا والصين وروسيا. ولهذا، فإن التشدد في محاربة هذه الظاهرة سيمنح المجتمع فرصا حقيقية للاستفادة الكاملة من التقنية، وتحقيق مستهدفات التحول الرقمي، دون الخوف من التعرض للتنمر أو الابتزاز.