مستقبل الأمة بيد وزارة التربية والتعليم
لو سُئلت: أي وزارة هي الأهم في أي دولة؟ لقلت ودون تردد إنها وزارة التربية والتعليم، ولا أعتقد أن الترشيح يحتاج إلى تبرير, فالتعليم هو الذي سيرفعنا إلى مصاف الدول المتحضرة أو سيهوي بنا إلى قطيع العالم الثالث، وإذا أصلحنا التعليم فإننا نصلح شأننا كله، والإصلاح هنا يشمل الجوانب الأخلاقية، المهنية، والعلمية.
أما التعليم الذي أقصده فهو المنظومة التعليمية بمفهومها الشامل بما تحتويه من هياكل ومناهج وطرق تدريس ونظم إدارية ومالية، والأهم من ذلك أن تركز على محور العملية التعليمية وهو المعلم، وهذا سيؤدي إلى إصلاح الأجيال وبالتالي سيخرج نظامنا التعليمي الشباب الذين يقودون الأمة إلى الصفوف الأولى، وهؤلاء الشباب سيكونون فيما بعد موظفين ومعلمين وأطباء ومهندسين وإداريين وباحثين ورجال أعمال، وفي مرحلة تالية مسؤولين ومشرفين، وفي مراحل متقدمة هم الوزراء وأولي الأمر.
لم يشغل الناس في المملكة بالطول والعرض شيء مثلما شغلتهم وزارة التربية والتعليم، فقد انشغل جيل سبقنا قبل نصف قرن بموضوع تعليم المرأة، ثم انشغلنا بمحو الأمية والتعليم الليلي، وانشغلنا بالوجبة المدرسية، وانشغلنا بالمباني الجاهزة، وانشغلنا بكادر المعلمين، وانشغلنا ببند 105، وانشغلنا بالمناهج، وانشغلنا بالتعليم الأهلي، وانشغلنا بالتعليم الشامل والتعليم المطور والتعليم الموازي، وانشغلنا بدمج الرئاسة مع الوزارة، وانشغلنا بإعانات المدارس الخاصة، وانشغلنا بالمباني المدرسية، وانشغلنا بتدريس اللغة الإنجليزية، وانشغلنا بالمناهج، وانشغلنا بالمعلمين والمعلمات، وانشغلنا بكليات المعلمين، وانشغلنا بتدريس المرأة للصفوف الأولى، وانشغلنا بنقل المعلمين والمعلمات، وانشغلنا بالمراكز الصيفية، وانشغلنا بحوادث المعلمات على الطرق.. إلخ القائمة الطويلة التي لا أرى نهايتها من الانشغالات في عالم وزارة التربية والتعليم، التي كان آخرها مشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم.
وزارة مسؤولة عما يزيد على أربعة ملايين طالب وطالبة يتوزعون على مئات المدن والقرى والهجر في جميع أنحاء المملكة، ويتجاوز منسوبوها نصف مليون موظف يجمعون بين الأمية وحملة الدكتوراة، وزارة في نجاحها التحول إلى أمة محترمة، وفي تقصيرها يكمن تخلفنا العلمي والأخلاقي.
بعد هذا كله ألا تكون وزارة التربية والتعليم هي الوزارة الأهم في الدولة، لذلك تابع الوطن كله التغييرات الأخيرة في الوزارة متابعة المتوجس، وأمل المريض، وحذر الخائف.
لقد عمت التغييرات الأخيرة الوزير ونوابه.. وذلك ليس التغيير الأول، ولن يكون الأخير، بل هي سنة الحياة، وليس معنى ذلك تقصير من سبق أو كفاءة من لحق، ولكنه مؤشر الرغبة في التطوير والتغيير، الذي يصبو ولي الأمر فيه إلى أن يصب لمصلحة الوطن والمواطن.
يحتك كل منا بالتعليم طوال حياته فهو طالب أو أخٌ لطالب أو أبٌ لطالب أو جدٌ لطالب أو معلمٌ أو قريبٌ لمعلم، وهذا جزء من الحقيقة، لأن الجزء الآخر هو المرير منها، حيث يتأثر مستقبل كل منا بما كتبه الله له من حيث التعليم، فالمدرسة والمعلم وبيئة التعليم كان لها دور بارز في مسيرة كل منا، ولن تجد بارزاً في المجتمع أو هامشياً فيه إلا كان للمدرسة الدور الأكبر في مسيرة حياته (ولكل قاعدة شواذ)، لذلك وكمواطن بسيط أطالب ومن حقي أن أطالب بتغيير وضع التعليم إلى الأفضل، كما أني أحلم ومن حقي أن أحلم بجيل يتجاوز الفشل الذي وقعت فيه الأجيال التي سبقته، وينجح في تحقيق طموحاته، ويسهم في بناء دولة منافسة للعالم من حولنا.
وإصلاح التعليم لا يكمن في بناء مدارس جديدة، ولا في طباعة كتب فاخرة، ولا في تحسين كادر المعلمين، ولا في تغيير المناهج الدراسية.. إنه منظومة متكاملة من الإصلاحات إذا تكاملت أصلحت النظام، وإذا تعطل أحد تروسها مهما كان صغيرا، فإن له الأثر البالغ في عمل المنظومة ككل.
أعرف عديدا من المشاريع التطويرية قامت بها الوزارة، كما أن هناك كما آخر من المبادرات لتطوير العملية التعليمية، ورغم هذه الجهود لم تتجاوز الوزارة مرحلة عدم رضا المستفيدين من خدماتها.
مازال خريجو التعليم العام في المملكة (في المتوسط) أضعف من قرنائهم في الدول المجاورة من الناحية العلمية، أما من حيث مستوى المهارات الحياتية فحدث ولا حرج عن مستوى طلابنا ومدى تأهيلهم على هذا الصعيد، ومازال الطلاب وللأسف يتزايد لديهم الترهل الجسماني والعقلي يوما بعد يوم، وعلى الرغم من وجود عديد من المبدعين الموهوبين، إلا أن هذه الموهبة لدى كثير منهم توأد في مدارسنا، إن لم تمت على عتبات بيوتنا.
أما عن التسرب التعليمي فلا تسأل! وإن كان من يتحمل هذه المسؤولية في الأصل الأسرة، إلا أنني لا أبرئ المنظومة التعليمية ككل من هذا الوزر، وعلى الوزارة العمل الجاد لمنع أي تسرب قبل إتمام التعليم العام، فهؤلاء المتسربون يظلون في نهاية الأمر عبئاً ثقيلاً على المجتمع من الناحية الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية.