اللجنة المصرفية .. هل تجاوزها الزمن؟

تشكلت "لجنة تسوية المنازعات المصرفية" منذ أكثر من عشرين عاما بموجب الأمر السامي رقم 729/8 وتاريخ 10/7/1407هـ لدراسة" القضايا بين البنوك وعملائها من أجل تسوية الخلافات وإيجاد الحلول المناسبة بين الطرفين طبقا للاتفاقيات الموقعة بينهما". وجاء تشكيل تلك اللجنة بناء على مقترحات رفعها وزير المالية والاقتصاد الوطني ورئيس ديوان المظالم آنذاك كعلاج للصعوبات التي واجهت البنوك السعودية في ملاحقة ديونها لدى المقترضين. ويبدو أن اللجنة تعاملت منذ تأسيسها مع كم كبير من القضايا وسارت الأمور بشكل جيد، لاسيما من منظور المصارف التي وجدت فيها ملاذا يستحق التشبث به بقوة بلغت حدا أن ترفض تلك المصارف التقاضي أمام أي كيان آخر عدا اللجنة. وبالتالي كان من الطبيعي أن ذلك السجل لأداء اللجنة لم يرق للكثير من الأطراف الأخرى لاسيما العملاء العاديين الذين أجبرتهم الظروف للمثول أمامها في نزاعات غير متكافئة مع البنوك.
وعلى الرغم من المحاولات التي سعى فيها بعض المتضررين من تعسف البنوك للجوء إلى هيئات قضائية عدا اللجنة المصرفية، إلا أنهم لم يحققوا أي نجاح يذكر في تلك السبيل بسبب الأمر السامي المشار إليه، الذي تشهره البنوك في وجه خصومها مطالبة تلك الهيئات برد الدعوى لعدم الاختصاص وإحالتها إلى اللجنة. غير أننا بدأنا نشاهد في الآونة الأخيرة طروحات في منابر عامة، من بينها "الاقتصادية" و"الرياض" تنتقد آليات عمل اللجنة وتدعو إلى تطويرها ما يوفر اطمئنانا لأطراف النزاع، بل إن بعضا من تلك الطروحات ذهب إلى أبعد من ذلك إذ نزع عنها شرعية قراراتها، التي لا تتوصل فيها إلى تسوية مرضية للطرفين، و رأى أنها جهة إدارية لا تملك حق فصل النزاع بين البنوك وعملائها.
ففي مطلع العام الجاري أشارت جريدة "الرياض" بتاريخ 20/1/1430هـ إلى حكم ابتدائي أصدرته الدائرة التجارية الثانية في ديوان المظالم برقم 21 لعام 1429هـ، خلاصته أن لجنة تسوية المنازعات المصرفية ليست سوى جهة إدارية بحتة وليست جهة قضائية بأي حال من الأحوال. وقد بنت الدائرة حكمها على حيثيات عدة من أهمها أن أعضاء اللجنة ليسوا قضاة ولا يعينون وفق السلم الوظيفي الذي يعين عليه القضاة، كما أن مساءلتهم تجري كسائر الموظفين العاديين أمام هيئة الرقابة والتحقيق، في حين تجري مساءلة القضاة المسلكية أمام مجلس القضاء الأعلى، وإن كانوا قضاة في ديوان المظالم فأمام لجنة تأديبية خاصة. والأدهى من ذلك أن الاعتراض على قرارات اللجنة ليست له جهة استئنافية عليا للنظر فيه، وإنما يحال الاعتراض للجنة نفسها التي تصادق على ما أصدرت من قرارات، ثم تؤيد تلك القرارات وإن كانت محل اعتراض من أحد الأطراف.
وقد نشرت جريدة "الاقتصادية" آراء متباينة أبداها بعض المختصين من رجال القانون حول مضمون حكم الديوان،كما شاركت الجريدة بإبداء رأيها في القضية المطروحة وذلك في كلمتها بتاريخ 28/1/1430هـ، إذ قالت "إن من الأمانة أن نقول لأصحاب القرار عليكم تصحيح وضع اللجنة المصرفية وإنشاء لجنة استئنافية وفتح فروع لها في المدن الرئيسة وتحديد آليات عملها وإلزامها بنظام المرافعات الشرعية واستقلال رأي الباحثين والمستشارين فيها وتفريغ أعضائها للعمل قطعا لازدواج المصالح وتضارب المنافع".
إن كاتب هذه السطور، من خلال تجربة أمام "لجنة تسوية المنازعات المصرفية"، تكونت لديه الرؤى نفسها التي طرحتها "الاقتصادية"، إذ يبدو أن الزمن قد تجاوز الترتيبات التي وضعت لعمل اللجنة، ومن ثم فإن التمسك بآليات العمل الحالية قد يعصف باللجنة برمتها ويضع البنوك في مأزق لا يقل صعوبة عما واجهته في الفترة التي سبقت تشكيلها. ولعل من أهم الإصلاحات التي ينبغي الإسراع في تبنيها في هذا السياق إنشاء لجنة استئنافية متفرغة، ما يوفر ضابطا لقرارات اللجنة وحافزا لها لمراعاة الغاية الأساس التي من أجلها شكلت ألا وهي "تسوية" النزاعات.
إننا نتطلع إلى وزير المالية، بحكم ولايته العامة على القطاع المصرفي ومؤسساته في المملكة، أن ينظر في الإصلاحات المطلوبة لآلية الفصل في النزاعات بين المصارف وعملائها، إذ لم يعد حجم القطاع أو طبيعة تلك النزاعات كما كان الحال عليه بالأمس.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي