بمناسبة معرض الكتاب: هل نحتاج للقراءة؟
قال صديقي بالأمس ضاحكا: "عندما أجد وقتا لأداء واجباتي الزوجية، سأبحث عن وقت لقراءة الكتب"!
جاءت هذه العبارة ردا على سؤال ينتشر في كل أنحاء الرياض كل عام: هل زرت معرض الكتاب؟
وفي كل عام تتكرر الأسئلة نفسها عن مدى إقبال الناس على المعرض، وهل ما زالت الناس تشتري الكتب في زمن المائة قناة فضائية وشبكة الإنترنت الصاخبة وجهاز الجوال الذي لا يتوقف عن الرنين وإرسال الرسائل. هناك هم جماعي استقر في اللاوعي لدى كثيرين حول القراءة في المجتمع، وتجد دائما تحسرا على ضعف انتشار القراءة مقارنة بالغربيين، وحال الكتاب والناشر العربي الضعيف جدا، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في خضم هذه النقاشات: هل نحتاج فعلا للقراءة؟
هذا السؤال ليس سؤالي أنا، بل هو سؤال علمي، وهناك دراسات علمية كثيرة تناقشه (والإنترنت لا يبخل بملخصات لهذه الدراسات)، ولكن من خلال مراقبة سلوك الناس في أسبوع معرض الكتاب في الرياض، أستطيع أن أقدم هذا الملخص عن حوافز الناس للقراءة في مجتمعنا.
الحافز الأول حافز اجتماعي. هناك اهتمام حقيقي لدى الناس بالتفاعل مع ما يقوله الأصدقاء حول كتاب معين من خلال اقتنائه وقراءته وفتح موضوع ساخن للنقاش حوله. هذا الأمر في الأصل إيجابي ويمثل تشجيعا نفسيا للقراءة، ولكن عيبه أن أحاديث المجتمع تدور عادة حول "العناوين المثيرة"، وهي عادة العناوين التي حظيت يوما بالمنع، أو استطاع كتابها خلق زوبعة إعلامية حولها، أو أنها تحتوي على كلمة محرمة في الأصل. هذا يعني من جهة أخرى تشجيع إصدار هذه الكتب التي يمكن أن تكون بمستوى رديء جدا ولكنها تحظى بمبيعات ممتازة، وتشجيع المؤلفين على أن يلعبوا "لعبة الإثارة" بشكل أو بآخر.
جزء من الحافز الاجتماعي الاهتمام بشخص مشهور وبما يكتب، وهذه من نعم الله على المشاهير، وهو حافز إنساني موجود في كل أركان الأرض.
الحافز الثاني هو حافز الاهتمام بموضوع معين، أي التعلم والمتابعة، وهو حافز أقل كثيرا في انتشاره، وهو ما يعنيه بعض المهتمين بـ"أزمة" انحسار القراءة، وإذا كانت الكتب الدينية والسياسية تقع على قائمة الاهتمامات، فإن معظم الاهتمامات الأخرى تقع في أسفل القائمة، ولعل واحدا من أهم المقارنات بين المكتبة العربية والمكتبة الأمريكية هو الاهتمام بالتاريخ، فكتبنا التاريخية محدودة ونمطية بخلاف المكتبة الغربية التي تهتم نسبة كبيرة منها بالكتب التاريخية.
هناك نوع من الكتب الذي يشرح كيفية فعل الأشياء في حياتنا اليومية، مثل الكتب الصحية، وكتب الطبخ، وكتب إدارة المنزل وتربية الأولاد والكتب السياحية وغيرها، وهذه بكل أسف رغم انتشارها واهتمام الناس بها إلا أنها ضعيفة المستوى بشكل عام، ولا تلبي حاجة القارئ العربي، وإذا كانت مترجمة فهي عادة لا تتناول تفاصيل حياتنا ومشكلاتنا نحن.
الحافز الثالث للقراءة هو الاستمتاع، وهذا يشمل قراءة الروايات بشكل خاص، لأن الجزء الأساسي من الاستمتاع هو السفر مع الخيال إلى مختلف العوالم وعبر التفاصيل.
إلا أن الدراسات والواقع الملاحظ كذلك أن الحافز لا يكفي لقراءة الكتاب، بل لشرائه فقط، وبعدها تجلس الكتب على الأرفف تنتظر ساعة الصفاء، وقد لا يجود القارئ في النهاية إلا بتصفح سريع يجعله جاهزا للحديث عن الكتاب، أو على الأقل ليشعر بأنه يعرف ما يوجد لديه عندما يحتاج إليه!
"عادة القراءة" هي المشكلة، وهي عادة تتناقص في مختلف أنحاء العالم، وحسب الدراسات العلمية تتكون عادة القراءة عبر واحدة من ثلاث طرق: الارتباط بالقراءة منذ الطفولة، إذ وجد أن المدرس أو الأب الشغوف بالقراءة الذي يحسن نقل هذا الشغف للأطفال هو خير من يبنيها، كما أن المدرس الذي ينقل للطفل أن القراءة مجرد واجب دراسي يعاقب عليه إذا لم يفعله هو أفضل من يقتل حب القراءة، والطريقة الثانية الأقل انتشارا هي ما يشبه الإدمان الذي يشتعل فجأة لدى الإنسان ويستمر عليه، والطريقة الثالثة هي قرار واع من الشخص يرتب فيها تفاصيل حياته بحيث يكون لديه وقت لقراءة كتب معينة، وهو أمر نادر لأن الناس عادة لا تبني عاداتها اليومية بهذا الشكل إلا لإنسان لديه سيطرة جيدة على نفسه واهتمام بأهدافه.
حسب الدراسات فإن أهم ما يشعل الإدمان في القارئ هو "قراءة الكتاب المناسب في الوقت المناسب" فتجربة القراءة الثرية لكتاب ما يأتي في اللحظة السحرية يحول الإنسان لقارئ نهم لا يتوقف عن القراءة، كما أن أكثر ما يقتل حب الإنسان للقراءة هو ضعف مهارته في القراءة والفهم والتحليل، وهي مهارات تأتي عادة من مراحل التعليم الأساسية.
باختصار، الشباب العرب كانوا يحتاجون في الصغر لمدارس أفضل تمنحهم عشق القراءة ومهاراتها، ولأن هذا لم يتوافر لنسبة كبيرة منهم فإن القراءة تصبح تجربة صعبة، ولا تزيد تجربتها على التجول في معرض الكتاب، وحمل مجموعة من الكتب، والحديث عنها في المجالس.
وحتى تتوافر التجربة التعليمية الإيجابية، على المؤلفين أن يبحثوا عن "الإثارة"..!