حدود إسرائيل وحق الدفاع عن النفس
إذا افترضنا جدلا صحة الادعاء أن لإسرائيل حق الدفاع عن النفس ـ وهو افتراض غير صحيح ـ فإن البادي للعيان أنه لا يوجد البتة أي تناسب بين الهجمات الفلسطينية والعمليات العسكرية الإسرائيلية الواسعة النطاق التي تتسم باستخدام مفرط لقوات إسرائيل الجوية، البحرية، والبرية، ترتب عليه قتل عشوائي مستمر للسكان المدنيين وتدمير البنية الأساسية "المتهالكة أصلا" لقطاع غزة.
بعد 12 يوما من الهجومين الجوي والبحري الشديدين والكثيفين ضد سكان قطاع غزة، بدأ الهجوم البري الإسرائيلي المدعوم بالقصف الجوي والبحري، الذي يواجه مقاومة فلسطينية باسلة، وكل يوم يزداد عدد الشهداء والجرحى من سكان قطاع غزة العزل، وبالتالي يزداد عدد الأرامل والأمهات الثكلى والأطفال والأيتام. ولم تكتف الولايات المتحدة بمنع مجلس الأمن الدولي من إصدار قرار يلزم إسرائيل بوقف العدوان ويضع حدا للجرائم الإسرائيلية، بل أدلى الرئيس الأمريكي جورج بوش بتصريح يتضمن تبرير وتأييد الحرب العدوانية الضارية والواسعة النطاق التي تشنها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، زاعما أن إسرائيل في حالة دفاع شرعي عن النفس. وينم هذا الموقف ولا شك عن تواطؤ أمريكي أعطى الضوء الأخضر لانطلاق العدوان الإسرائيلي، وليس ذلك بموقف جديد، فهو يعيد إلى الأذهان مواقف أمريكية مماثلة عديدة مؤيدة لإسرائيل ومبررة جرائمها، مثل موقفها من الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان سنة 2006، التي وصفتها كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية بأنها مخاض شرق أوسط جديد.
فإدارة الرئيس بوش، التي توشك على الرحيل، مصرة على الاستمرار حتى آخر يوم في ولايتها على تأييد العدوان الإسرائيلي، ولا تعارض استخدام إسرائيل الأسلحة الأمريكية في أعمالها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، لأن إسرائيل من وجهة نظرها في حالة دفاع شرعي عن النفس ضد هجمات الفلسطينيين! ولأن هذه المقولة قد شطت عن الحق والصواب، فقد وجدت أن من اللازم تنفيذها في ضوء مبادئ وقواعد القانون الدولي العام، وعلى نحو موجز ومكثف، فأقول ما يلي:
أولا: يكون الشخص في حالة دفاع شرعي عن النفس عندما يتعرض لخطر فعلي يهدد حياته أو عرضه أو ماله، فيضطر إلى اللجوء إلى القوة لدفع هذا الخطر، وتعترف الأنظمة القانونية الداخلية بحق الإنسان في استخدام القوة في حالة الدفاع عن النفس، وتضع لاستخدام هذا الحق الضوابط المناسبة، كذلك يعترف القانون الدولي العام بحق الدولة في اللجوء إلى القوة في الدفاع عن نفسها بضوابط محددة، وقد أقر ميثاق الأمم المتحدة صراحة هذا الحق، إذ نصت المادة 51 منه على ما يلي: (ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء "الأمم المتحدة" وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالا لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس ـ بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمدة من أحكام الميثاق ـ من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادتهما إلى نصابهما).
ثانيا: يرى غالبية فقهاء القانون أنه لا يمكن فهم المادة 51 من الميثاق دون الربط بينها وبين المادة 2/4 من الميثاق التي وضعت المبدأ العام، وهو حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية. لهذا فإن ما قررته المادة 51 من مشروعية استخدام القوة للدفاع عن النفس هو استثناء على مبدأ الحظر. وهناك استثناء آخر تجيزه قواعد القانون الدولي وهو حق الشعوب في الكفاح المسلح من أجل تقرير المصير والتحرر من السيطرة الأجنبية.
ثالثا: لقد وضعت المادة 51 ثلاثة شروط لاستخدام حق الدفاع الشرعي عن النفس، وهي:
أ ـ وجود حالة اعتداء مسلح، وهذا يعني وقوع هجوم مسلح فعلي حتى يثبت الحق في الدفاع الشرعي، أما مجرد احتمال وقوع العدوان، فلا يبرر استخدام هذا الحق.
ب ـ أن تمارس الدولة المعتدى عليها حق الدفاع الشرعي إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين.
ج ـ خضوع حق الدفاع الشرعي عن النفس لرقابة مجلس الأمن.
يضاف إلى ما سبق أنه طبقا للمادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة، فإن الحقوق الجوهرية التي يستتبع الاعتداء عليها نشوء حق الدفاع لحمايتها هي حق سلامة إقليم الدولة، وحق الاستقلال السياسي لأية دولة، يضاف إلى ذلك حق تقرير المصير الذي أقرته قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأصبح قاعدة راسخة في القانون الدولي.
من ناحية أخرى، تشترط قواعد القانون الدولي لاستعمال حق الدفاع الشرعي عن النفس، أن تكون القوة المبذولة لرد الاعتداء متناسبة مع هذا الاعتداء، وفي حدود القدر الضروري لرده وإيقافه، أي يجب أن يتحقق التناسب بين فعل العدوان وفعل الدفاع.
وفي مقالٍ سابق أوضحنا أن شروط استخدام حق الدفاع عن النفس غير متوافرة لدى إسرائيل، وأن الفلسطينيين هم الذين في حالة دفاع شرعي عن النفس في مواجهة إسرائيل، لأنهم يسعون إلى ممارسة حقهم في تقرير المصير والتحرر من الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة دولتهم المستقلة على ترابهم الوطني.
إذا افترضنا جدلا صحة الادعاء أن لإسرائيل حق الدفاع عن النفس ـ وهو افتراض غير صحيح ـ فإن البادي للعيان أنه لا يوجد البتة أي تناسب بين الهجمات الفلسطينية والعمليات العسكرية الإسرائيلية الواسعة النطاق التي تتسم باستخدام مفرط لقوات إسرائيل الجوية والبحرية والبرية، ترتب عليه قتل عشوائي مستمر للسكان المدنيين وتدمير البنية الأساسية "المتهالكة أصلا" لقطاع غزة وارتكاب أفعال تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وانتهاكا صارخا لحقوق الإنسان الأساسية، أولها وأهمها حقه في الحياة.
وحتى لو افترضنا مرة أخرى جدلا فحسب ـ وهو افتراض غير صحيح ـ أن إسرائيل في حالة دفاع شرعي عن النفس، لأن إطلاق المقاومين الفلسطينيين صواريخهم باتجاه إسرائيل يعد اعتداء على سلامة إقليمها، فإنه لا بد من معرفة حدود هذا الإقليم المراد حمايته والدفاع عنه. إذا تجاوزنا الحقيقة التاريخية بأن اليهود الغزاة أسسوا إسرائيل بالقوة والإرهاب في فلسطين، التي تعد إقليما عربيا، وأنه لا توجد مشروعية قانونية صحيحة لحيازة إسرائيل هذا الإقليم العربي وممارسة السيادة عليه، وسايرنا منطق القبول بالأمر الواقع، فإنه يمكن القول إن حدود إسرائيل قد تم تحديدها على نحو صريح في الرسالة التي وجهتها أول حكومة إسرائيلية إلى حكومة الولايات المتحدة بتاريخ 14/5/1948، حيث أقرت فيها أن إقليمها ينحصر في النطاق الذي حدده قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 29/11/1947 الخاص بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية. وقد اعترفت الولايات المتحدة بإسرائيل على هذا الأساس، كما أن إسرائيل لم تقبل في عضوية هيئة الأمم المتحدة إلا بعد تعهدها رسميا بقبول قرارات هذه "الهيئة"، خصوصا القرار الخاص بالتقسيم. وطبقا لهذا القرار الذي قبلت به إسرائيل وأعلنت التزامها به واعترفت بموجبه الحكومة الأمريكية بدولة إسرائيل، فإن كل أرض احتلتها إسرائيل خارج ذلك النطاق الإقليمي تعد أرضا محتلة. والاحتلال طبقا لقواعد القانون الدولي يعد جريمة دولية ضد السلام.
وترتيبا على ما سبق فإنه حتى يكون لإسرائيل حق الدفاع عن النفس، فإنه يتعين عليها الانسحاب من جميع الأراضي غير الداخلة ضمن نطاقها الإقليمي المحدد بموجب قرار التقسيم. وقد يقول قائل إن منظمة التحرير الفلسطينية بتوقيعها اتفاقيات أوسلو مع إسرائيل التي تم توقيع أولها سنة 1993 قبلت التنازل عن قرار تقسيم فلسطين، وقبلت قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 سنة 1967 كأساس للتسوية النهائية. ونرد على ذلك أن اتفاقيات أوسلو في تقدير عديد من فقهاء القانون الدولي تعد باطلة، لأنها غير متكافئة وتتعارض مع قرارات الأمم المتحدة بشأن قضية فلسطين، التي تؤكد حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، ولا سيما حقه في تقرير مصيره دون تدخل خارجي، وحقه في الاستقلال والسيادة الوطنية، وحق اللاجئين الفلسطينيين غير القابل للتصرف في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها، وغير ذلك من الحقوق الأخرى. يضاف إلى ذلك أن تلك الاتفاقيات قد أبرمت تحت وطأة الإكراه، فبموجب المادة 52 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات سنة 1969 تكون المعاهدة باطلة بطلانا مطلقا إذا تم إبرامها كأثر للجوء للقوة أو التهديد بها أو الإخلال بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ويقتصر الإكراه وفق اتفاقية فيينا على الإكراه العسكري، ولا شك أن منظمة التحرير وقعت اتفاقيات أوسلو تحت إكراه الاحتلال العسكري الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. وهناك تفاصيل كثيرة حول أسباب بطلان اتفاقيات أوسلو يخرج الحديث عنها عن نطاق هذا المقال. وأيا كان الوضع القانوني لتلك الاتفاقيات التي أذعنت لها منظمة التحرير الفلسطينية، فإن شارون عندما وصل إلى الحكم سنة 2001 أنهى مفعولها عن طريق الامتناع عن تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية بموجبها، وإقامة الجدار الفاصل داخل الضفة الغربية وحول القدس، بهدف ترسيم الحدود بين إسرائيل والفلسطينيين، بحجة احتياجاتها الأمنية، الذي اعتبرته محكمة العدل الدولية ـ في رأيها الاستشاري الصادر في 9/7/2004 ـ أنه يتعارض مع قواعد القانون الدولي، ويعد إخلالا بالتزامات إسرائيل الدولية، ومع ذلك استمرت إسرائيل في استكمال تشييد هذا الجدار.
ثم جاءت المبادرة العربية التي اعتمدها مؤتمر القمة العربي، الذي انعقد في بيروت سنة 2002، التي قبلت بموجبها جميع الدول العربية الاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها إذا انسحبت من جميع الأراضي التي احتلتها سنة 1967، ولم تقبل بها إسرائيل، وهكذا يتضح من جميع ما سبق أنه رغم جميع التنازلات التي قدمتها منظمة التحرير الفلسطينية والدول العربية ما زال الشعب الفلسطيني يرزح تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولم يتمكن حتى الآن من إقامة دولته المستقلة على ما تبقى من ترابه الوطني، بل ما زالت إسرائيل تقيم المستوطنات اليهودية على الأراضي الفلسطينية، ويتعرض الفلسطينيون إلى اعتداءات من المستوطنين اليهود، إضافة إلى تعرضهم المستمر لاعتداءات الجيش الإسرائيلي.
ونكتفي بهذا القدر من الوقائع والحقائق القانونية، وهي غيض من فيض، لنتساءل بعد ذلك: لماذا تصر الولايات المتحدة على موقفها الداعم للاحتلال والعدوان الإسرائيلي، بذريعة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، على الرغم من عدم توافر الشروط القانونية لهذا الحق لديها؟!
ليس من تفسير لهذا الموقف العدائي للشعب الفلسطيني، إلا القول إن الولايات المتحدة أصبحت رهينة للصهيونية العالمية وأساطيرها وأضاليلها.