الركود .. سؤال جوابه لدى وزارة المالية

قبل أسابيع معدودة فقط.. لو سأل سائل عن أحوال اقتصادنا لقلنا إننا على أفضل حال، فلم تحدث مثل هذه الطفرة الاقتصادية منذ سنوات، وكم ستستمر؟ أيضا لسنوات متوقعة، فإيرادات البترول أضعاف المتوقع والإنفاق الحكومي ـ ما شاء الله ـ على أقصى حد ممكن، وكان التحدي الأكبر الوحيد أمام الدولة هو كيف يمكن الإنفاق على المشاريع بشكل سريع وفاعل؟ وكان الهاجس الأهم للدولة هو تخفيض وتيرة التضخم الناتج عن الازدهار الكبير الذي تمر به المملكة ودول المنطقة.
لو قال قائل إن سعر البترول سينخفض إلى مادون الـ 40 دولارا للبرميل لقيل إنه مجنون، فكيف إذا قيل إن ذلك سيحصل خلال شهرين فقط! ولو قال آخر إن مؤشر السوق سيهبط إلى حدود أربعة آلاف نقطة لشنع به أكثر من صاحبه، فجأة وخلال أسابيع محدودة تغيرت خريطة الاقتصاد والمال في العالم، بدأ يتشكل عالم جديد من الثراء والفقر لم يكن موجودا في عالمنا، هل أصابتنا عين حسود أم أصابنا عقاب من الله فعم الصالح والطالح؟
ما الذي سيحدث؟ أعتقد أن هذا هو السؤال الأصعب ولا يملك الإجابة عنه مخلوق، وفي هذه الأزمات يخرج علينا الكثير من المحللين والكتاب (وأنا أحدهم) بكثير من التوقعات والحلول تراوح بين الغث والسمين، وبعد هدوء العاصفة سيأتي واحد من ألف ويقول: لقد قلت لكم!
الأسوأ من الأزمة أننا لا نعرف أننا لا نعرف، تخيلوا لو أدخل أحدنا إلى غرفة ظلماء وغطيت عيناه وقيل له ابحث عن المسمار المعلق على الجدار، فأخذ يبحث.. ويتحسس الجدار تلو الجدار.. ويمسح بيديه وجسمه كل ما يمكن.. للوصول إلى المسمار المزعوم! كم سيستغرق منه الوقت للعثور عليه؟ سيظل يبحث عمره كله ليس لصغر المسمار أو كبر مساحة الغرفة، ولكن لأنه ليس هناك مسمار أصلا، وللأسف في حالتنا الاقتصادية الجميع يبحث عن المسمار الذي ليس له وجود أصلا؟
كل ذلك أصبح تاريخا، فالماضي ذهب وانتهى، وإن كنا نعيش آثاره، حيث يجب النظر إلى الماضي لاستلهام العبر والفائدة واستشراف المستقبل وليس البكاء على الأطلال، فما ذهبت به الريح لن يعود إلا بالتخطيط المتبصر والعمل الجاد والخطوات البناءة لإعادة البناء.
من أهم أدوات إعادة البناء التي أشرقت علينا بالأمل، نتائج وتقديرات الميزانية العامة للدولة، ولا أعني البصيص، ولكنها إشعاعات من التفاؤل، فإيرادات 2008 تجاوزت ما كنا نطلق عليه أرقاما فلكية قبل سنوات، والإنفاق المتوقع عام 2009 تجاوز توقعات الأزمة، واقتصادنا رغم كل ما يقال عنه من استقلالية مازال يعتمد في كثير من جنباته على الإنفاق الحكومي، وميزانيتنا الحالية عام 2009 حبلى بالخير والإنفاق الحكومي غير المحدود.
المعضلة الرئيسية تكمن في تجاوب وزارة المالية مع الأزمة وحالة الركود التي بدأنا نحس بها وتؤثر في قراراتنا الاقتصادية، ومن لم يتأثر بها فهو يعيشها في عقله فأخذت لبه وتفاعل معها فتقمصته، لذا فإن من واجب وزارة المالية التعامل مع الأزمة بأقصى درجات الإيجابية والمبادرة، خاصة في ترسية المشاريع، والأهم من الترسية سرعة الصرف وتسهيل إجراءاته، ما يجب أن يكون حالة عامة في الوزارة وظاهرة استثنائية من العمل الدؤوب، وأعتقد أنه من المجدي أن تقوم الوزارة بتقييم المسؤولين والعاملين فيها على أساس مدى تفاعلهم وإنجازاتهم في الترسية، وسرعة الصرف للمستحقين من موردين ومقاولين.
تبرز أهمية دور الإنفاق الحكومي في تسيير عجلة الاقتصاد بشكل أكثر أهمية، إذا أدركنا المشكلة الكبرى التي لا تخفى على أي متعامل في الشأن الاقتصادي السعودي، وهي أن البنوك، رغم كل المحفزات التي قدمتها مؤسسة النقد، مازالت شحيحة كل الشح في تمويل المشاريع، كما أن تكاليف التمويل أخذت في الازدياد بشكل مبالغ فيه، وللأسف فإن القطاع الوحيد الذي مازالت البنوك تفضل التعامل معه هو قطاع التمويل الشخصي، وهو القطاع الأقل نفعا للاقتصاد، حيث توجه معظم تمويلاته للقطاع الاستهلاكي.
هنا يبرز الدور الآخر للإنفاق الحكومي في الضمانات التي يمكن أن تقدم للبنوك، وهي المستخلصات الحكومية أو أوامر الدفع التي لن تنظر لها البنوك بجدية، إلا إذا تعاملت معها وزارة المالية بالسياق والأهمية نفسيهما.
خاتمة: إذا كنا نتساءل كل يوم: كيف نبعد عنا شبح الركود؟ فالجواب، والله أعلم، لدى وزارة المالية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي