مجلس الشورى .. توسعة المشاركة

عما قريب سيسدل الستار على الدورة الحالية لمجلس الشورى، وهي الرابعة، ويعلن عن التشكيل الجديد للدورة القادمة التي تبدأ أعمالها في 3/3/1430هـ ـ بإذن الله. وعلى الرغم مما أبلته الدورة الجارية في تناول الكثير من الملفات المتراكمة كالخدمات الصحية ، المياه ، التعليم، البطالة ، السوق المالية ، وغيرها ، تظل تلك الملفات مفتوحة إلى جانب العديد من القضايا المتعثرة بدرجات متفاوتة ما يدعو إلى إخضاعها إلى المزيد من التشخيص والمتابعة في دورة المجلس المقبلة. ولا شك أن ترتيبات إعادة تشكيل المجلس في كل دورة التي تحافظ على نصف الأعضاء السابقين ستوفر رصيداً جيداً من الخبرة للاستمرار في متابعة تلك الملفات من حيث انتهت الدورة المنقضية دون الحاجة إلى الرجوع إلى خط البداية. لكن تلك الميزة وحدها قد لا تكون كافية للتعامل بكفاية مع الوتيرة المتسارعة من المتغيرات التي تشهدها تلك الملفات والقضايا الأخرى، ما يحتم البحث في تطوير بعض آليات عمل المجلس.
لقد أصبحت قضايا الشأن العام اليوم أكثر تعقيداً و إلحاحاً من ذي قبل ، يلاحقها مواطن واعٍ وفر له خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود مساحة واسعة للتعبير عن الرأي عبر وسائل الإعلام كافة من مقروءة، مرئية، ومسموعة. ومن ثم قد يستحسن المجلس في ذلك السياق، في دورته المقبلة، دمج بعض الآليات القائمة وتطوير البعض الآخر بما يحقق عائداً أفضل على الوقت الذي يقضيه المجلس في إنجاز أعماله، ما ينعكس إيجاباً على دوره في خدمة المجتمع، الذي يعول عليه آمالاً كبيرة. وهناك أكثر من مثال يمكن طرحه في ذلك الشأن، من بينها تقارير الأداء السنوية التي تقدمها الوزارات والمصالح الحكومية والتي تستغرق دراستها ومناقشتها حيزاً كبيراً من وقت اللجان وجلسات المجلس. إذ تأتي تلك التقارير في الغالب متأخرة ناهيك عن نمطية إعدادها وما يصدر بشأنها من توصيات، والفجوة الواضحة بين محتواها وبين ما يلمسه المواطن على أرض الواقع. وربما ذلك ما يدفع المجلس في كثير من الحالات لاستجلاء الحقائق والكشف عنها بشكل مباشر من خلال دعوة بعض الوزراء لإلقاء بيان عن إنجازات وزاراتهم والرد على أسئلة الأعضاء، كان آخرها اللقاء الذي حضره وزير المياه والكهرباء يوم الأحد 23/12/1429هـ الموافق 21/12/2008.
لذا قد يكون من الأجدى لو أن المجلس دمج خطوتي دراسة التقرير السنوي لكل وزارة ولقاء الوزير في خطوة واحدة وفق جدول زمني يرتب سلفاً في مطلع كل عام يعد له جيداً من قبل الجميع .تلك الآلية من شأنها أن تحقق منافع لكل الأطراف وأولها المواطن الذي تسهر الدولة بكل مؤسساتها على خدمته ورعاية مصالحه. إذ إن الإعلان المسبق عن الجدول الزمني للقاءت المسؤولين بأعضاء المجلس يتيح وقتا كافياً للمواطنين لبسط هموهم وشجونهم وطرح رؤاهم بشكل منظم يساعد على إدراجها ضمن محاور الحوار بدلاً من أفكار مشتتة هنا و هناك يسهل على ضيف اللقاء القفز عليها دون أدنى جهد ومن ثم تكون الحصيلة تفريغ اللقاء من أي نتائج أو التزامات يمكن تلمسها أو متابعتها في الأيام اللاحقة. وقد نخطو خطوة أخرى في تلك السبيل بأن نطلب من كل مسؤول تقديم مذكرة للمجلس قبيل موعد اللقاء بما استجد في أداء وزارته خلال المدة التي انقضت منذ آخر تقرير رفعته الوزارة بناء على المادة 29 من نظام مجلس الوزراء كي لا يهدر وقت اللقاء في جدل حول أرقام وبيانات تبدو متضاربة لا لشيء سوى أن بعضاً منها يمثل فترة بينما البعض الآخر يمثل فترة أخرى.
أما المقترح الآخر لتوسعة مشاركة المواطنين في أعمال المجلس فيدعو إلى نشر "مشروعات" الأنظمة على موقعه الإلكتروني فور تسلمها من ديوان رئاسة مجلس الوزراء والأخرى التي يقدمها الأعضاء حتى يطلع الجمهور عليها وتقديم ما قد يكون لديهم من مرئيات للجنة المعنية بدراسة مشروع النظام. تلك الخطوة ليست انتقاصاً من الآلية المرعية حالياً، بل مكملة لها. وقد يكون من الملائم هنا الإشارة إلى الحرص الذي يمارسه مجلس الشورى في دراسة الأنظمة والمسار الذي تسلكه تلك الأنظمة قبل إقرارها، إذ تبدأ الخطوة الأولى بقراءة أولية لمشروع النظام في إحدى لجان المجلس الدائمة ذات الاختصاص في الموضوع، ثم يدعى مندوبون من جهات حكومية والقطاع الخاص من ذوي العلاقة للاطلاع على مرئياتهم، ومن ثم يُقرأ مشروع النظام ويُناقش مادة مادة قبل عرضه على المجلس بكامله، موضحاً فيه الشكل الذي ورد عليه والتعديلات التي توصي اللجنة باعتمادها. وهناك يخضع مشروع النظام للمزيد من التدقيق والتمحيص قبل إعادته للجنة لوضعه في شكله النهائي تمهيداً لعرضه على المجلس مرة أخرى للتصويت على كل مادة بشكل مستقل. تلك الآلية الشورية الدقيقة لا شك أنها ستزداد عمقا وثراء بدعوة قاعدة أوسع من المجتمع للمشاركة على نطاق مفتوح في دراسة مشاريع الأنظمة المعروضة على المجلس إن أتيحت لهم فرصة الاطلاع عليها في مراحلها المبكرة من خلال موقعه الإلكتروني.
إننا نتطلع إلى مجلس الشورى في دورته المقبلة أن يعيد صياغة بعض آلياته على نحو يؤسس لمشاركة أوسع للمواطن، الذي طالما جنح المجلس إلى صفه، ويؤكد تفاعله مع قضاياه .

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي