رغم الإحلال التكنولوجي .. استحداث 100 مليون وظيفة في سوق العمل عالميا خلال عقدين

رغم الإحلال التكنولوجي .. استحداث 100 مليون وظيفة في سوق العمل عالميا خلال عقدين

يصاب عديد من الأشخاص بالانزعاج أو القلق، عند معرفتهم بأن بعضا من المهن التي تقع في الوقت الحالي ضمن مجموعة الوظائف المرموقة والآمنة، لحاجة المجتمع إليها، ولطبيعتها التي تتطلب أعواما طويلة من التعليم والتدريب مثل الطب والهندسة، قد تتقلص بعض فروعها جزئيا في الأعوام المقبلة، وأن مهنا أخرى باتت منذ الآن مهددة بالاختفاء نتيجة التطور التكنولوجي.
فخلال الـ100 عام الماضية، حلت الآلات محل العمال في عديد من المهن والمهام، وأطاحت التكنولوجيا بعديد من الوظائف، لكنها أوجدت في الوقت ذاته وظائف أكثر مما ألغت.
وأدى التقدم المعرفي والتكنولوجي إلى تغيرات ملموسة في مستويات المعيشة والرعاية الصحية، ومتوسط العمر المتوقع، والتعليم، فارتفعت الدخول، وزادت قدرة الإنسان على السفر والترحال، وزادت معها القدرة على اختيار الوظيفة الملائمة، خاصة مع اتساع سوق العمل وتمددها محليا وإقليميا ودوليا.
ومع ذلك، لا تزال العلاقة بين التكنولوجيا والتوظيف مشكلة أساسية في الاقتصاد العالمي، ومحورا لنقاشات واسعة النطاق ومستفيضة بين السياسيين والاقتصاديين، وما زال الحديث، كما كان قبل مائة عام، هل يمكن أن تؤدي التكنولوجيا إلى زيادة معدلات البطالة أم خفضها، وإلى أي مدى يمكنها إعادة صياغة وتشكيل سوق العمل.
الأمر المؤكد من الخبرات الإنسانية المتراكمة، هو أن سوق العمل العالمية تتميز دائما بالحركة والتغير، وأن المخاوف من التأثير السلبي للتكنولوجيا على الطلب على العمل، وزيادتها لمعدلات البطالة مخاوف مبالغ فيها حتى الآن على الأقل من وجهة نظر عديد من الخبراء.
في هذا السياق، تقول لـ"الاقتصادية"، الباحثة تريسي ماك وايت من منظمة العمل الدولية، إن "العامل الأساسي في تحريك سوق العمل، وزيادة فاعليته وحيويته، وإيجاد الاستقرار فيه، يعود إلى القدرة التنافسية للاقتصاد، عبر دعم الابتكار ومزيد من الأتمتة، بما في ذلك الاعتماد على آخر منجزاتها، وفي مقدمتها الذكاء الصناعي".
وبالطبع سيكون من الإجحاف إنكار أن التقدم التقني أحدث في كثير من الأحيان اضطرابات في سوق العمل، وربما تكون النظرة السلبية للبعض بشأن التأثير السلبي للتقدم التكنولوجي على معدلات التوظيف، لها ما يبررها في الوقت الراهن، فعدم اليقين يسيطر على الاقتصاد العالمي.
وتبدو الرأسمالية العالمية في حالة من الارتباك والقلق الداخلي، مع عجز ملموس في تقديم إجابة قاطعة وحاسمة على تساؤلات كبرى ذات طابع وجودي للبشرية، وكل هذا العجز في وقت لا يواجه فيه النظام الرأسمالي تحديا حقيقيا من منظومة اقتصادية منافسة تطرح نفسها كبديل له.
"الآلات قادمة لأخذ وظائفنا" كان هذا هو الشعار، الذي ساد خلال القرن الـ18 بين عمال النسيج، عندما بدأت الأنوال التقليدية، التي تتطلب كثافة عمالية، في التراجع لمصلحة الآلات.
الشعار نفسه يتجدد الآن مرة أخرى، ولكن بصيغة مختلفة "الروبوتات قادمة لأخذ وظائفنا"، وهو شعار يحمل بين جوانبه كثيرا من الحقائق، ولكنها حقائق غير مكتملة، فالروبوتات ستؤدي فقط إلى اختفاء عديد من الوظائف والمهن ذات المهارات المتدنية في البلدان المتقدمة والناشئة والنامية على حد سواء، ممهدة الطريق أمام مجموعة جديدة من الوظائف الأكثر إنتاجية، والأكثر قدرة على زيادة الناتج المحلي الإجمالي، ومن ثم رفع متوسط دخل الفرد، ومستوى معيشته.
ويعد الدكتور جاك راسل، أستاذ اقتصادات الشركات في مدرسة التجارة في لندن، أن التطور التكنولوجي يتطلب مزيدا من التركيز على رأس المال البشري لضمان التفاعل مع التطورات الجارية في القطاع التكنولوجي.
ويضيف لـ"الاقتصادية"، أن التقديرات الدولية تشير إلى أن البلدان، التي تضخ أقل قدر من الاستثمارات في رأس المال البشري، عبر التعليم، والتدريب، ورفع مستوى الأداء الوظيفي، لن تحقق قوى العمل لديها في المستقبل، إلا ما يراوح بين ثلث إلى نصف الإنتاجية، التي يمكن أن تحققها إذا تم الاستثمار فيها بشكل كامل، وهذا الأمر يتطلب مزيدا من التركيز على الفرد باعتباره اللبنة الأولى للنمو الاقتصادي".
وتتصف الموجة الراهنة من التقدم التكنولوجي ببعض الملامح، التي تعيد صيغة سوق العمل الدولية، وتطرح تساؤلات حول الخصخصة والضرائب والتنافسية.
فالتقنيات الرقمية تتيح للشركات التوسع والانكماش السريع، ومن ثم تؤثر بشكل دائم في معدلات التوظيف في المجتمع، كما أنها وبخلاف الشركات التقليدية، حيث يعد عدد العاملين جزءا من الثقل الاقتصادي النسبي للشركة، يمكن أن تقفز الشركات الحديثة إلى مصاف العالمية دون الحاجة إلى معدلات توظيف كثيفة.
وتكشف لنا المقارنة المباشرة بين شركتين من الشركات العالمية، أحدهم تمثل نموذجا للشركات التقليدية وهي شركة إيكيا السويدية، والآخر نموذج مباشر لشركات التقنية الرقمية، وهي شركة علي بابا الصينية.
وتطلب الأمر من شركة إيكيا، التي أسست 1943 قبل عصر التكنولوجيا الرقمية، 30 عاما قبل أن تتوسع داخل أوروبا، وبعد سبعة عقود بلغت إيراداتها على المستوى الدولي 42 مليار دولار.
في المقابل، نجحت شركة علي بابا خلال عامين فقط في الوصول إلى مليون مستخدم، وتحقيق مبيعات بنحو 700 مليار دولار خلال 15 عاما.
ولا شك أن هذا التطور يتطلب تطويرا في القدرات المعرفية للعاملين، وضرورة امتلاكهم مجموعة معقدة من المهارات غير التقليدية للتعامل مع الأنماط التكنولوجية الجديدة.
ويقودنا ذلك إلى الملمح الثاني لسوق العمل القادم، ويقول لـ"الاقتصادية"، جورج كونراد الاستشاري السابق في صندوق النقد الدولي، إن "التكنولوجيا تشكل المهارات اللازمة للعمل، ومن ثم يتراجع الطلب على المهارات الأقل، كما أن الأعمال الروتينية، التي تسير وفق خطوات متوقعة، ستنجز مستقبلا عن طريق التكنولوجيا، وهو ما يعني أن مهنا كالطب مثلا ستشهد تغيرات جذرية، إذ يمكن لتشخيص الأمراض إلكترونيا إعادة النظر في بعض أفرع الطب بأكملها".
على المستوى العالمي يتزايد بسرعة عدد الروبوتات المستخدمة في كل مناحي الحياة المختلفة، ومن المقرر في العام الجاري تشغيل 1.4 مليون روبوت صناعي جديد.
ورغم أن معدل أجهزة الروبوت بالنسبة للعمال خلال العام الماضي لامس أعلى مستوى في ألمانيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة، وفقا لتقديرات المؤسسات الدولية، إلا أن معدل التوظيف في تلك البلدان لا يزال مرتفعا متغلبا على انتشار الروبوتات.
لكن أحد الظواهر الغريبة، التي ربما تتطلب مزيدا من الدراسات، أنه بالرغم من أن الاعتماد على أجهزة الروبوت لم يكن له تأثيرات كبيرة في التوظيف في بلد مثل ألمانيا، إلا أنه خفض من توظيف الشباب نسبيا.
وتشير أغلب التحليلات إلى أن تأثيرات الميكنة قد تختلف في البلدان، التي يزداد فيها عدد كبار السن، مقارنة بتلك التي يغلب الشباب على سكانها، أو التي تتوقع موجات كبيرة من المهاجرين، الذين يؤثرون في سوق العمل فيها مثل ألمانيا.
وتظهر دراسة حديثة للبنك الدولي أن التغيرات التكنولوجية، التي تحل محل العمل الروتيني أوجدت أكثر من 23 مليون وظيفة في أوروبا فقط بين عامي 1999 و2016، أي ما يقارب من نصف الزيادة الإجمالية في حجم العمل خلال ذات الفترة، وهو الأمر الذي يؤكد أن التكنولوجيا، ورغم حلولها محل العمالة البشرية في عديد من الوظائف، إلا أنها زادت الطلب بشكل عام على العمالة.
ويوضح لـ"الاقتصادية"، آرثر لاركن، الباحث في مجال الاقتصاد السكاني في جامعة جلاسكو، أنه "يمكن القول بأن نحو 100 مليون وظيفة عمل جديدة قد استحدثت على المستوى العالمي خلال العقدين الماضيين نتيجة اتساع استخدام التكنولوجيا، بدءا من أجهزة الكمبيوتر إلى الروبوتات الذكية، وكان من الممكن أن تكون المعدلات أعلى من ذلك إلا أن الأزمة الاقتصادية، التي ضربت الاقتصاد العالمي حدت من التوسع في بلدان أوروبا الغربية ونسبيا في الولايات المتحدة، وتم تعويض ذلك بالتوسع في استخدام التكنولوجيا في الصين والهند وعدد من بلدان جنوب شرق آسيا".
ويصعب في الوقت الحالي تحديد رقم قاطع لمعدل الوظائف التي سيتم التخلي عنها نتيجة التكنولوجيا، لكن من المؤكد أن التطور التقني سيشكل بشكل كبير الطلب على المهارات الواجب توفرها في الأيدي العاملة.
ووفقا لتقديرات عدد من المؤسسات الاقتصادية الدولية، فقد زادت نسبة العمالة في الوظائف، التي تتطلب قدرا كبيرا من المهارات الإدراكية والسلوكية غير الاعتيادية منذ 2001، ففي البلدان النامية ارتفعت النسبة من 19 إلى 23 في المائة، وفي البلدان المتقدمة من 33 إلى 41 في المائة.
وبصرف النظر عن التغيرات التي ستشهدها سوق العمل الدولي مستقبلا، وطبيعة الوظائف، التي سيتم التخلص منها، والمهن التي سيتم استحداثها، فإن أجهزة الروبوت ستكون في كثير من الأحيان مكملة للعمال، الذين يعملون في مهن غير اعتيادية.
بل حتى داخل المهنة الواحدة، فإن تأثير التكنولوجيا على المهارات المطلوبة لأداء وظيفة ما ستتغير، وأثبتت التجربة بشكل قاطع أن التطور التكنولوجي سيغير من طريقة عمل الفرد وشروط العمل.
وفي كثير من الحالات تقلص التطورات التكنولوجية عقود العمل طويلة الأجل، لمصلحة فرص العمل قصيرة الأجل، ما يضفي على أسواق العمل مزيدا من الحيوية، ويعزز من المبادرات الفردية لدفع عجلة النمو الاقتصادي.

سمات

الأكثر قراءة