مكة المكرمة .. الإرادة مكمن التغيير (1)

وفقني الله لقضاء معظم شهر رمضان المبارك في مكة المكرمة، والزائر لمكة لا بد أن يشهد التعمير والتغيير الذي تعيشه المدينة المقدسة والمنطقة التي تعد أغلى بقعة على وجه الأرض من الناحية الدينية والمادية، ومن حق ديننا علينا أولا كمسلمين، ووطننا ثانيا كسعوديين أن نقدم لولاة الأمر أقل ما يمكن وهو الرأي والمشورة.
ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، لذلك لا بد أن نثني على الجهود الكبيرة والمتميزة في سبيل خدمة زوار بيت الله الحرام، والمبذولة من جميع الجهات الحكومية والأهلية ذات العلاقة، التي يعمل أكثرها بإخلاص لراحة الزوار، سواء كان ذلك في سبيل توسعة المسجد الحرام أو المناطق المحيطة به.
لا شك عندي أن الله عندما شرع الحج والعمرة والزيارة لهذه البقعة المباركة منذ آلاف السنين، أوجد لها عوامل النجاح والتيسير، وعندما فرض الله الحج على كل مسلم مرة واحدة على الأقل في العمر، فقد كان الله سبحانه أعلم أن عدد المسلمين سيصل في يوم من الأيام إلى مليارات المسلمين الذين تحدوهم أمنية الحج والزيارة لبيت الله الحرام، لذلك فليس من المستساغ أن نقنع أنفسنا أن السعة القصوى لبيت الله الحرام والمشاعر محدودة، نعم هي محدودة اليوم إذا أغلقنا باب التفكير ونافذة التطوير وفضاء الإبداع الفسيح ووضعنا سقفاً محددا لإمكاناتنا، ولكن طموحنا الحقيقي الذي يجب أن نعمل لتحقيقه ويتوافق مع واجبنا كأمناء على بيت الله الحرام الذي شرفنا الله بخدمته، يقضي أن نسعى إلى توفير مكان لكل مسلم للحج مرة واحدة على الأقل في عمره، وهذا ينطبق على بيت الله الحرام كما ينطبق على المشاعر المقدسة.
قيام كل مسلم بأداء فريضة الحج مرة واحدة على الأقل يعني أن عدد الحجاج الذين يجب استيعابهم يجب أن يكون في حدود 37.5 مليون حاج سنويا، تم احتسابهم بشكل بسيط وفق المعادلة التالية (عدد المسلمين / متوسط الجيل), وذلك على أساس أن عدد المسلمين 1.500 مليون مسلم ومتوسط الجيل الواحد 40 عاما، وذلك بافتراض أن المسلم سيحج مرة واحدة فقط كل 40 عاما!
السؤال الكبير: هل نحن مستعدون لحمل وأداء هذه الأمانة؟ وأعني بالاستعداد النية أولا، فحيث وجدت النية الصادقة ستتبعها العزيمة، ثم يأتي السؤال التالي: هل نحن جاهزون؟ وجوابي عن هذا السؤال الصعب هو أننا غير جاهزين حتما اليوم، ولكن هذا لا يعذرنا من التخطيط والعمل للجاهزية التي ستوصلنا إلى تحقيق هدفنا أعلاه، والجاهزية تشمل عديدا من المحاور، ولكن أهمها وضع هذا الهدف نصب أعيننا والتركيز على الوصول إليه، يتبعها المحاور الأخرى التي يمكن تلخيصها في إعادة تصوير منطقة مكة والمشاعر المقدسة، البنية الأساسية، المواصلات, وعلاقة مكة المكرمة بمدينة جدة والميناء والمطار، التيسير وأعني هنا عدم التشدد في الفتوى، الثقافة وأعني ثقافة المستقبلين لهؤلاء الزوار من حيث الضيافة وتعبد الله في خدمة الحجاج والزوار، الخدمات المصاحبة التي لا يمكن عزلها من سكن وتنقل ومواصلات .. إلخ.
الدور الأكبر في المرحلة المقبلة للتخطيط للمنطقة المركزية والخدمات المتعلقة بها أكثر من أي شيء آخر، ولماذا المنطقة المركزية؟ لأنها جوهرة الحج، وغيره من مواسم العمرة والزيارة إلى بيت الله الحرام، وقد اطلعت على أكثر من طرح بخصوص المنطقة المركزية، وحقيقة أعجبني طرح يوسف الأحمدي (نشر في العدد 5454 لصحيفة الاقتصادية، وفي العدد 15175 لصحيفة "البلاد")، حيث يركز مشروع الأحمدي بشكل أساس فيما يخص المنطقة المركزية على المحاور التالية:
1. تشكيل دائرة قطرها كيلو متر يكون محورها الكعبة المشرفة تكون مخصصة للعبادة والطواف والصلاة، بحيث تشكل الحرم وساحاته، وتكون أقرب نقطة للسكن والإيواء تبعد عن الكعبة المشرفة 500 متر تقريبا.
2. ننتزع جميع العقارات الموجودة ضمن هذه الدائرة على مراحل، بحيث تتوازن مع تلبية العرض للطلب خلال الفترة المقبلة.
3. تكوين الطريق الدائري الأول، الذي يحيط بالحرم على بعد 500 متر من الكعبة المشرفة.
4. تكوين الطريق الدائري الثاني، الذي يبعد عن الدائري الأول مسافة 500 متر تقريبا.
5. شق تسعة طرق إشعاعية توصل إلى المنطقة المركزية، وبالتالي تشكيل ثماني مناطق جاهزة للتطوير يحد كل منها الدائري الأول والدائري الثاني والطرق الشعاعية.
6. تطوير المناطق الثماني المركزية عن طريق شركات مساهمة عملاقة، تتنافس فيما بينها لتقديم أفضل ما يمكن للزوار، بما يتوافق مع رؤى وتوجهات الاستراتيجية المعتمدة للمنطقة المركزية.
لن يكون المال عائقا أمام التنفيذ، حيث إن المناطق التي سيتم نزع ملكيتها حاليا يمكن تعويض قيمتها بأضعافها من خلال استثمار المناطق الخلفية الأبعد عن الحرم، التي ستكون مساحتها أكبر بكثير من المناطق الأمامية المواجهة للحرم حاليا، كما أن الدائرة ستكبر، وبالتالي ستكون العقارات المواجهة للحرم أضعاف ما هو متوافر حالياً.
لا أرى أنسب من هذا الوقت للتغيير والإنجاز, فعوامل النجاح، ولله الحمد، متوافرة، حيث تجتمع إرادة الحاكم خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله، وحماس الجهات التنفيذية بقيادة الأمير خالد الفيصل، وفقه الله، وأخيراً منحة الله لهذه الأرض، حيث الوفر والفائض في الميزانية، وما يمكن إنجازه اليوم بالملايين لن يمكن تحقيقه غدا إلا بالمليارات، وما يتوافر اليوم قد لا يمكن توفيره غداً.
وللحديث .. بقية

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي