التهافت على المواهب التكنولوجية «2 من 3»

بدأت الحكومة أيضا المشاركة في هذا الأمر، إذ نجد أن مناطق تعليمية ومدنا حتى بلدانا بأكملها تتنافس فيما بينها على اقتناص الموظفين من بعضها بعضا من خلال تقديم حوافز مالية موجهة، بما في ذلك زيادات في الرواتب وإعفاءات ضريبية. ويدرك المسؤولون الحكوميون إدراكا متزايدا أن سرعة التغير التكنولوجي ترفع من فرص تخلفهم عن الركب. فالسباق على المواهب، كما تبين، أصبح وظيفة عمومية نوعا ما.
ومن الأمثلة البارزة الأخيرة تلك المنافسة التي نشأت بين المدن الأمريكية والكندية لتصبح موطن المقر الرئيس الثاني لشركة أمازون. وبعد سباق مضن تنافست فيه الحكومات المحلية وهيئات التنمية على تقديم حوافز جديدة، وقع اختيار الشركة على موقعين أمكن التنبؤ بهما إلى حد كبير بسبب ما يتسمان به من وفرة في المواهب التكنولوجية. وفي مقياس لشدة التهافت على اجتذاب أصحاب المواهب، كان من المقرر أن تتلقى شركة أمازون حوافز قيمتها نحو 2.5 مليار دولار من الموقعين المختارين وهما مدينة نيويورك، ومقاطعة أرلينجتون في ولاية فيرجينيا. وقد تخلت شركة أمازون في وقت لاحق عن خططها بشأن إقامة مقرها في مدينة نيويورك بعد اعتراضات أبداها بعض المسؤولين المحليين.
وتفتخر بولندا أيضا بوجود مجتمع قوي من الشركات المبتدئة جنبا إلى جنب مع قوة عاملة متمتعة بمستوى تعليمي عال مع كثير من المتحدثين بالإنجليزية، وهو ما جعل من وارسو موقعا جاذبا لشركة جوجل Google لإطلاق مقر جديد في عام 2016.
وتحاول اليونان المنكوبة بالأزمات إنعاش اقتصادها من خلال الدخول في شراكات مع أصحاب رأس المال المخاطر للاستثمار في شركات التكنولوجيا المحلية. وفي تقرير عام 2018 تشير شركة ماراثون فنتشر كابيتال Marathon Venture Capital التي تتخذ من أثينا مقرا لها، والتي تستثمر في الشركات المبتدئة اليونانية منذ 12 عاما، إلى أن تجمع المواهب المحلية يجذب انتباه شركات التكنولوجيا متعددة الجنسيات مثل "أوراكل وسامسونج وسيتريكس"، وكلها استحوذت على شركات يونانية تعمل في مجال التكنولوجيا.
وتقدم البرتغال الإقامة وفرص الحصول على الجنسية في نهاية المطاف للعاملين في مجال التكنولوجيا وأصحاب الأعمال. وتتطلع الهند، التي تعد بالفعل مركزا تكنولوجيا لعديد من الشركات الدولية، مثل مايكروسوفت Microsoft، وساب سوفتوير سوليوشنز SAP Software Solutions، وشركات محلية مثل تاتا كونسلتانسي سيرفيسز Tata Consultancy Services إلى الحفاظ على قلعتها من خلال، تقديم برامج تدريب واسعة للجيل التالي من العاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمجالات الأخرى ذات الصلة. وقد أطلق رئيس الوزراء ناريندرا مودي برنامجا واسع النطاق يسمى "مهارة الهند" Skill India في عام 2015 بهدف رعاية مهارات التكنولوجيا بين الأجيال الشابة.
وشهدت الصين نتائج مختلطة. ففي حين أنها ترسل الملايين من الطلاب الشباب إلى الخارج للتعليم الثانوي، عديد منهم للتدريب في مجالات العلوم والتكنولوجيا، حققت الصين حتى وقت قريب نجاحا محدودا في جذب هؤلاء الطلاب للعمل في الوطن. كما أن المعوقات اللغوية والثقافية جعلت من الصعب على الصين اجتذاب المواهب من الخارج.
وفي أوروبا، يرتبط مصير قطاع التكنولوجيا ارتباطا وثيقا بوضع القارة الاقتصادي، الذي تراجع خلال أزمة عام 2012 ولكنه استعاد عافيته منذ ذلك الحين. وعندما بدأ بيدرو بريسا، وهو رائد أعمال برتغالي، البحث عن المدينة المثالية ليبدأ فيها مشروع أحلامه، وهو خدمة يطلق عليها Mycujoo للبث الشبكي المباشر لمباريات "كرة القدم، حصر نطاق بحثه بين ثلاث مدن هي لندن، برلين وأمستردام وكان بريسا يقيم في زيوريخ في ذلك الوقت ولكنه كان على يقين بأنه لا يريد البقاء هناك".
وسرعان ما استبعد الخيارين الأولين لارتفاع التكلفة بحسب قوله وتوجه مباشرة إلى هولندا التي تعفي 30 في المائة من دخل العمالة الأجنبية من الضرائب، ما يجعل من السهل عليه توظيف عمالة ذات مهارات عالية.
ويقول بريسا إنه أمر جاذب جدا هنا لتوظيف العمالة الوافدة بسبب قاعدة الـ30 في المائة، مضيفا أنه من السهل أيضا توظيف العمالة مقارنة ببلدان مثل سويسرا التي تفرض حصصا على العمالة المهاجرة.
وأسس بريسا مقره في عام 2014، ولكنه كان يأمل دائما في إيجاد طريقة للقيام بأعمال تجارية في وطنه البرتغال. وقد سنحت هذه الفرصة في عام 2016 عندما بدأت البرتغال التي كانت تتعافى من أزمة مالية عميقة في توفير حوافز جديدة لجذب شركات التكنولوجيا مثل شركة بريسا. في الوقت نفسه، كان الاقتصاد الهولندي الأقوى، معناه منافسة داخلية أكبر على العمالة. إضافة إلى تدابير أخرى، بدأت البرتغال هذا العام في إتاحة إمكانية الحصول على جواز سفر الاتحاد الأوروبي لأي شخص يرغب في توظيف عشرة عاملين بحد أدنى أو القيام باستثمارات كبيرة أخرى في الاقتصاد المحلي.
وفتح بريسا مكتبا لشركة Mycujoo في لشبونة قبل عامين، وبه الآن 18 موظفا، ويتوقع بريسا توظيف 30 آخرين في السنة القادمة.
ويقول بريسا، "تحدثت الحكومة معنا حول إمكانية توفير حافز مالي لنا ما دمنا نعيد الاستثمار في توظيف الأشخاص"، مضيفا أنه يأمل في العودة في النهاية إلى لشبونة، "تتمتع البرتغال بنوعية حياة جيدة جدا وليست مكلفة جدا، لذا أصبحت مكانا جاذبا يود الأشخاص الانتقال إليه"...يتبع

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي