أخيرا .. "أوباما"

[email protected]

أخيرا انتهى السباق .. أخيرا فاز "أوباما" .. وليس أي فوز إنه انتصار ساحق في تاريخ أمريكا .. ولكن ماذا يعني فوز "أوباما" برئاسة أمريكا .. الحقيقة أن هذا الفوز لأوباما ليس برئاسة أمريكا بل هو فوز برئاسة العالم .. لم يكن "أوباما" مرشحاً عاديا للرئاسة .. اسم غريب .. لرجل أسود .. من أصل إفريقي ما زالت أسرته تعرفه في كينيا .. حديث الهجرة إلى أمريكا .. له جذور إسلامية .. في ريعان الشباب فعمره 47 عاماً.
فجأة .. سيتولى هذا الرجل زمام الأمور في أقوى دولة في العالم .. في بلد كان السود فيه يباعون ويشترون .. كان السود فيه يعاملون معاملة الحيوانات وليسوا مواطنين حتى من الدرجة العاشرة .. كان الفصل العنصري في الجيش والمدارس ووسائل النقل إجراء رسميا فيه حتى 50 عاما فقط .. حقيقة لا يمكن أن يحدث ما حدث في أي مكان آخر في العالم .. ولكن هل حدث ذلك لأنها أمريكا فقط؟ أم أنه الحظ، أم أن التغيير ساد العالم.
لم أر رئيسا يسير التوفيق إلى جانبه كما سار مع "أوباما" .. فمع بدء ترشيحه قدر الله له منافساً شرساً، فهيلاري كلينتون امرأة متعلمة ومهنية مرموقة تتمتع بحضور فائق، كما أنها خطيبة مفوّهة، إلى جانب خبرتها السابقة في البيت الأبيض فقد أمضت ثمانية أعوام فيه، كان الاقتصاد الأمريكي فيها في أوج تألقه، ولكن .. كانت امرأة، وكانت هذه هي المصيبة التي أصابتها في مقتل، فقد كانت سابقة تاريخية أن ترشح امرأة على المنصب الأول في أمريكا، فكانت الغالبة للعنصر الرجولي على العنصر الأنثوي ولو كان أسوداً.
ثم قدر الله لأوباما أن يكون منافسه على الرئاسة مرشح الحزب الجمهوري "مكين" الذي يتمتع بالعيوب التالية: كبير السن إلى حد خوف المرشحين من عدم إكماله مدة الرئاسة، ضعف خلفيته السياسية والاقتصادية، وتميزه الوحيد بأنه "هيرو" عسكري، في حين كان الشعب الأمريكي قد ملّ الحروب ويريد الخلاص منها، وكانت غلطة "مكين" القاتلة في اختياره لنائبة الرئيس التي قد تصلح لأي شيء إلا للمنصب الذي عينها فيه، فأصبح الجمهور الأمريكي يرى أن مرشح الحزب الجمهوري لا يلبي طموحاته، فضلا عن سوء اختياره لجهازه وأقرب المقربين إليه.
وكانت الثالثة أن أداء الحزب الجمهوري (الحاكم) أسوأ من أن تجد لها وصفا يناسبها، فعلى جميع الأصعدة والجبهات كان الأداء فاشلا ومحبطاً للشعب الأمريكي، وكان "أوباما" يدير حملته بذكاء شديد استطاع معه ربط "مكين" بأداء إدارة جورج بوش بحيث يراهما المرشح دائما أمام عينيه وجهان لعملة واحدة.
أما الضربة القاضية التي انتصر بها "أوباما" فهي الأزمة الاقتصادية التي قدر لها أن تظهر للعلن قبل الانتخابات بشهر ونصف، وتوالت تداعياتها طوال المدة السابقة للانتخاب، فربطها "أوباما" بالإدارة الحالية التي ينسب لها "مكين"، وساعد "أوباما" ذلك الجهل الفاضح لمكين ونائبته بالاقتصاد، ما ظهر معه أخطاء جوهرية في التصريحات والتعليقات والخطط لمداواة الأزمة.
ولا يقلل ذلك أبداً من "أوباما"، الرجل الذي كان المرشح الأكثر تأهيلا والأنسب للرئاسة، حيث عمل عملا بطوليا، ساعده في ذلك سيرة مشرفة، وفريق عمل ناضج، وحملة انتخابية، يُقال عنها إنها أنجح حملة انتخابية في تاريخ أمريكا، وتكاد تكون بلا هفوات.
بعد ظهور نتائج الانتخابات بدأت أبحث عن مارتن لوثر كنج .. استحضرت بعض خطبه النارية .. والتي كان يبحث فيها عن الحلم .. الذي تحقق على يد "أوباما"، أظهرت كاميرات القنوات الفضائية "جيسي جاكسون"، الذي كان يبذل دموع الفرح على تحرير العبيد الذي تحقق أخيراً، بعد أن بذل السود في أمريكا دماءهم قبل دموعهم لنيل حقوقهم .. التي في رأيي أنهم انتزعوها فقط يوم انتخاب "أوباما".
لقد لعب "أوباما" على وتر التغيير، بسبب أن المجتمع الأمريكي ملّ إلى حد الطفش مما هو فيه، فالحروب أخذت فلذات الأكباد، والسياسة حرّكت موجة كره لأمريكا في العالم أجمع حكومة ومجتمعا، والمواطنون الأمريكان تجاوزت ديونهم قدرتهم على السداد، فأصبح النموذج الأمريكي في الاقتصاد أضحوكة أمام العالم.
وقد هبت رياح التغيير الحقيقي بانتخاب "أوباما"، ولا أقصد سياسته وخططه وبرنامجه الانتخابي، ولكني أعني رغبة الشعب الأمريكي في التغيير وإرادته التي تحققت.
لست من المتفائلين أو المتشائمين بدخول "الأسود" أوباما إلى البيت "الأبيض"، فلدي قناعة أن السياسة الأمريكية عمل مؤسساتي ولن تتغير بتغير الأشخاص، ولكن قناعتي الأخرى بأن القادة هم الذين يختارون الطريق الأنسب للتنفيذ، ولدي إيمان عميق بأن "أوباما" هو المخرج لأمريكا من مشكلاتها الاقتصادية الحالية، والتي للأسف كان صداها مثل السونامي الذي هز العالم، وبالتالي فقد يكون هو المنقذ والمخرج لهذه الأزمة الاقتصادية إذا حالفه التوفيق.
ولا أخفيكم أني بهرت بخطبة الفوز التي ألقاها "أوباما" بعد انتخابه، وأتمنى أن تدرس في جامعاتنا ولمسؤولينا، فقد جمعت فن الخطابة، وقوة الكلمة، وصدق اللسان، واحترام المنافس، وروح الفريق، لقد كانت برنامج عمل مختصر، وأخيراً .. ختمت بالوفاء لمن كان لهم الفضل في النجاح.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي