مشاريعنا الغذائية الاستراتيجية .. الرجاء لا مساومة!
منذ سنوات بعيدة.. في كل مرة ألتقي الأخ العزيز الدكتور عبد الله الثنيان يحدثني عن حلمه الدائم، وهو إقامة مشاريع استثمارية استراتيجية في مجال الثروة الحيوانية .. والدكتور الثنيان كخبير وكقيادي مسؤول عن استثمارات الشركة العربية للثروة الحيوانية، يرى أن الاستثمارات الاستراتيجية إذا أُحسنت إدارتها ضرورية للأمن الغذائي العربي، وغالبا كان يشير ويتخوف من أزمة غذائية عربية، بل عالمية، قادمة.
ولكن جزءا من أحلامه لم يذهب مع الريح، فعبر استثمارات الشركة العربية ونجاحها في عدد من الدول العربية مقارنة بعدد من المشاريع العربية المشتركة التي فشلت وتعثرت، استطاع الدكتور الثنيان أن يثبت أن القيادة ومعها الإدارة الناجحة، تستطيعان بناء مشاريع ناجحة. وبقاء وتطور وازدهار مشاريع الشركة في السودان مثال حي، فالسودان مرَّ بظروف سياسية واقتصادية صعبة، ولكن هذا لم يمنع نجاح مشاريع الشركة.
الآن الكل يهرع إلى السودان لبحث فرص الاستثمار الغذائي والزراعي، وهي (فرصة ذهبية) للسودان حكومة وشعبا ونرجو أن تتلبسهم الحكمة والبصيرة لاستثمارها وعدم تضييعها .. ففي العالم العربي لسنوات طويلة ظل الطلاب يتلقون معلومة في مادة الجغرافيا تفيد أن السودان (سلة الغذاء) العربية .. وهذه هي المعلومة الوحيدة البارزة التي حفظتها الذاكرة جيدا لدى جيل درس الجغرافيا الاقتصادية والسياسية للسودان.
من حُسن طالعنا أن مشروع الشركة العربية للثروة الحيوانية في السودان هو من مشاريع الشركة الناجحة المنتشرة في العالم العربي، وهذا يجعلها بمثابة (بيت خبرة) لمن يريد الرأي والمشورة، ونحن نحتاج الخبرة الفنية الضرورية لمواجهة أزمة الغذاء، فالجهود الجماعية المكثفة هي الآلية المثلى لمواجهة الأزمات، وفي العالم العربي ظلت معالجات الأمور لا تتم في إطارها الجماعي وربما أزمة الغذاء تدفعنا إلى هذه الآلية المثالية الفاعلة.
وربما هذه الآلية للعمل المنظم المشترك هي ما نحتاج إليه لتعزيز واستدامة التوجهات الحكومية التي أقرها مجلس الوزراء للاستثمار في المشاريع الاستراتيجية الغذائية، فالعمل الحكومي ضروري أن يدمج جهوده مع مشاريع القطاع الخاص السعودي الذي نجح في الاستثمارات الغذائية الخارجية منذ سنوات بعيدة، فالحكومة يُفترض أن تدعم قيام (تكتلات سعودية استثمارية خارجية) تكون الذراع الاستثمارية الوطنية، وكثير من الدول يتبنى هذا التوجه، وبرعت فيه اليابان وكوريا، والآن الصين خير مثال.
مثل هذه الاستثمارات تكون مربوطة عادة بمتطلبات الأمن الوطني وبالمصالح الاستراتيجية بعيدة المدى، لذا تدار بكفاءة وتوفر لها كل مقومات النجاح من قيادة وإدارة وتمويل وأهداف واضحة وخطة زمنية محددة، ومتابعة ومراقبة دقيقتين لا تتحملان المساومة أو التساهل في الأخطاء والتقصير في الإنجاز.
كل الذي نرجوه هو أن تمضي توجهات الحكومة التي أقرها مجلس الوزراء أخيرا لدعم استثماراتنا الاستراتيجية بقوة وعزم، ولا تساهل فيها أو مساومة أو تأخير، فلا توجد أعذار أو مبررات موضوعية للفشل وعدم النجاح .. لدينا الإرادة السياسية ومعها الحاجة، ولدينا التمويل وأيضا لدينا الخبرة الإدارية القادرة .. لذا: الرجاء عدم المساومة. نطرح هذه الأمنيات لمن يهمه الأمر وبيده مفاتيح النجاح.