حالة الاحتقان الاقتصادي
لفت نظري عدة أخبار اقتصادية، الأول حول البطالة في المملكة، والثاني حول دعم الشعير، والثالث حول دراسة تشير إلى أن الأراضي الخالية هي أكبر وسط استثماري في المملكة نشرت في هذه الجريدة يوم 6/3/2008. يمر الاقتصاد السعودي بمرحلة فريدة حقا تستدعي وقفة تفكير قصيرة فقط، نظرا لأهمية الوقت ثم العمل السريع. تتميز هذه الفترة بعدة سمات، منها الوفرة المالية، استشراء التضخم، الدعم الحكومي غير المسبوق، البطالة بين فئة الشبان والشابات. ولزيادة الموضوع غموضا هناك طفرة معتبرة في عدة قطاعات، منها الندوات والمؤتمرات التي تزعم أنها تناقش برامج إصلاح الاقتصاد السعودي وتأهيله. في ظل هذه الأمواج العاتية يصعب الوصول إلى رؤية واضحة وسياسات مفندة وقرارات دقيقة، نظرا لضعف الفريق الاقتصادي وتهالك الجهاز البيروقراطي وتضارب المصالح الضيقة. هكذا دائما طبيعة القرار الاقتصادي الاجتماعي أنه في حالة التأخير غير المبرر تصبح عملية التعويض والتقويم صعبة ومحفوفة بالمخاطر، ولكن ليس من بديل للتحرك العاجل.
في قلب الإشكالية الاقتصادية السعودية قلة الشجاعة في المصارحة، إذ إن سياسة الدعم (التدليل غير المبرر) تشوّه الاقتصاد من عدة نواح، الناحية الأولى أن الدعم الحكومي يتزايد مما يجعل الحكومة "هدفا" لكل "متمصلح" رجل أعمال أو موظف أو مواطن ينتظر ويتحسب، ثانيا يقود الدعم إلى الإسراف في كل شيء، سواء على المستوى الفردي والعائلي أو على المستوى الجمعي، ثالثا يعمل الدعم على فك الارتباط بين العمل أو التظاهر بالعمل والإنتاجية. الدعم في المملكة اليوم يذهب للجميع لمن يحتاج ولمن لا يحتاج، بل يجد طريقه للتهريب والمتاجرة ثم لوم الحكومة ويزيد من عدم الرضا الاجتماعي.
يأخذ الدعم عدة أشكال، يبدو الكثير منها حملا وديعا وعملا وطنيا في ظاهره، وإذا به ينخر في جسم الاقتصاد السعودي دون رحمة. فبعد أن استنفدنا المياه تحت طائلة الأمن الغذائي في تحد سافر للطبيعة الصحراوية تجدنا الآن نربي الماشية ونأكلها بنهم من خلال دعم الشعير والأعلاف، وكأننا في غابة أمازونية. أحد أشكال الدعم يأتي من خلال "ترك" الأمور تمر بهدوء محسوب مثل الحاجة إلى تطبيق الزكاة على الأراضي الخالية، بينما نبحث عن حلول سحرية للسكن من خلال الرهن العقاري وغيره، بينما الأموال كما ذكر التقرير مكدسة دون تحرك فاعل.
أخيرا يعمل الدعم على التركيز "الداخلي" معنويا وماديا، بينما استحقاقات التنمية الشاملة تتطلب أن يكون التفكير "خارجيا"، بمعنى البحث عن الأفضل في كل شيء. دون إعادة هيكلة تستطيع تغيير تصرفات الناس الفردية والمؤسساتية، سنستمر في حضور الندوات الأكاديمية والاقتصادية دون فائدة. السياسة الاقتصادية التي لا تستطيع تغيير تصرف المواطنين الاقتصادي والمالي لا تستطيع التقدم بالمجتمع. وسبق أن ذكرت على صفحات هذه الجريدة طريقة صنع القرار الاقتصادي وناقشنا عدة مواضيع تفصيلية تهدف إلى فكر جديد يخدم تحقيق هدف القيادة النبيل بتنمية مستدامة واقتصاد تنافسي.