حول دمج الجهاديين السابقين في مصر
drashwan59@yahoo .com
تمثل قضية إعادة دمج الإسلاميين الجهاديين السابقين في مصر في الحياة السياسية قضية شائكة لم ينته حسمها بعد. فآلاف الأشخاص المنتمين للجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد وغيرهما من الجماعات الجهادية الصغيرة التي توقفت نهائياً عن العنف منذ ما يزيد على عشر سنوات وتحولت إلى جماعات سلمية، لا يزالون ينتظرون حسم هذه القضية ليعرفوا كيف يمكن لهم أن يساهموا في النشاط العام الذي يجري في بلدهم. وحتى اليوم يبدو واضحاً أن حسم تلك القضية يتوقف على أطراف ثلاثة لكل منها دور يختلف في وزنه وأهميته عن دور الطرفين الآخرين.
الدولة هي الطرف الأول والأهم في هذا الحسم، وهي حتى اللحظة ترفض بصورة واضحة سواء عبر تشريعاتها الدستورية والقانونية أو عبر سياساتها السماح للإسلاميين عموماً بالحصول على شرعية العمل السياسي في البلاد من خلال تأسيس أحزاب لهم أو أي نوع من الجماعات السياسية التي تحظى بالشرعية القانونية. ويشمل هذا الرفض جماعة الإخوان المسلمين الذين لم يمارسوا العنف منذ ما يزيد على 50 عاماً، وتخلو أفكارهم من أي تبرير له أو تحريض عليه. وترى الدولة أن السماح للإسلاميين عموماً بالعمل السياسي والحزبي عبر جماعات وتنظيمات تقوم على الرؤية الدينية سوف يهدد المجتمع والحياة السياسية بتداخل خطر بين الدين والسياسة ستكون له آثار سلبية على تماسك المجتمع والعمل السياسي في البلاد. من هنا، فإنه يبدو منطقياً أن يشمل هذا الرفض أيضاً كل الجماعات الإسلامية التي تورطت في العنف وتبنت خلال سنوات طويلة أفكاراً تدعو إليه وتبرر استخدامه، حتى لو تخلت عنه نهائياً فكرياً وعملياً خلال السنوات الأخيرة. ويستند هذا الرفض الأخير، إضافة إلى الأسباب السابقة إلى تخوفات أمنية من مشاركة هؤلاء الجهاديين السابقين في العمل السياسي نتيجة لخبرتهم الطويلة في عالم العنف الديني والتشدد الذي تخشى الدولة أن ينتقلا إلى المجال السياسي فيؤديان إلى أزمات قد تؤثر بشدة في الأوضاع الأمنية في البلاد. ونتيجة لهذا التصور، فالدولة لا ترفض فقط مشاركة الجماعات الجهادية السابقة في العمل السياسي الشرعي، بل أيضاً أي مشاركة مباشرة من أعضائها في أي نوع من النشاط السياسي المباشر وتفضل بقاءهم معزولين عنه.
ويتمثل الطرف الثاني في بعض قطاعات النخبة السياسية المصرية التي ترفض دخول الإسلاميين عموماً إلى ساحة العمل الحزبي الشرعي بحجة التخوف على الطبيعة المدنية للحكم والسياسة في مصر، وهي تساوي في هذا الرفض بين الإخوان المسلمين والجهاديين السابقين. ويستند هؤلاء الرافضون لدمج الإسلاميين ومشاركتهم في العمل السياسي إلى نوعين من الخبرات لتبريره، أولهما الخبرة الأوروبية في العصور الوسطى في الخلط بين الكنيسة والدولة وما أدت إليه من نتائج سلبية خطيرة، وثانيهما بعض التجارب الإسلامية في الحكم، وبصفة خاصة تلك التي نتجت عن انقلابات عسكرية أو ثورات شعبية وما ترتب عليها من تأثيرات سلبية أيضاً في الحريات العامة والخاصة في البلدان التي وقعت فيها. ويستخدم هذا القطاع من النخبة ما يمتلكه من وسائل تأثير في الرأي العام والدولة سواء كانت إعلامية أو سياسية أو ثقافية من أجل نشر هذا الرفض والتبرير له، وهو ما يزيد من تعزيز موقف الدولة الرافض أيضاً ويجعله مستنداً إلى قاعدة ولو جزئية من النخبة السياسية في البلاد.
أما الطرف الثالث فهو الجماعات الجهادية السابقة نفسها، وخصوصاً الجماعة الإسلامية، التي ترى أن المهمة الأولى الملحة عليها هي إعادة الدمج الاجتماعي لأعضائها في المجتمع وإيجاد ظروف حياة إنسانية مناسبة لهم بعد أن دمرت سنوات السجن والاعتقال الطويلة كل مقومات ذلك. وبالرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها تلك الجماعات في سعيها لتحقيق هذا الهدف الأول، فهي تبدو راغبة في كثير مما يصدر عنها وعن قياداتها وأعضائها في المشاركة في العمل السياسي والاندماج في الأطر والقنوات الشرعية المنظمة له. ويبدو الأمر منطقياً، حيث إن تلك الجماعات هي في الأصل ذات اهتمام مباشر بالعمل السياسي وكانت قد مارسته في ماضيها الجهادي بالطريقة الخاطئة التي فهمت بها الإسلام عن طريق العنف، وبالتالي فمن الصعب تصور أن تتخلى عن هذا الاهتمام بعد كل السنوات الطويلة من الانخراط في السياسة وتعزل نفسها عما يجرى في البلاد من تطورات ذات صلة بها. ومع ذلك فتلك الجماعات لم تبلور بعد – على الأقل بصورة علنية – الشكل والأساليب التي تريد عبرها المشاركة في العمل السياسي الشرعي، وهو ما يزيد من تخوفات الرافضين لهذه المشاركة سواء في الدولة أو النخبة ويعطيهم حججاً إضافية للإصرار على رفضهم.
في كل الأحوال، فإن مشاركة الجهاديين السابقين بعد تحولهم إلى إسلاميين سياسيين في الحياة السياسية المصرية، بل كل الإسلاميين الذين يقبلون العمل السلمي وقواعد الديمقراطية، لا بد أن يتم حسمها من جانب هذه الأطراف الثلاثة بالقبول بها والتنظيم القانوني لها. فالإسلاميون السياسيون يمثلون قوة سياسية - اجتماعية حقيقية في البلاد لها وزنها ولها جمهورها ولا يصح تجاهلها أو وضع العراقيل أمام مشاركتها في صنع حاضر وطنها ومستقبله.