رفع أسعار الوقود مقابل تعويض

[email protected]

يعد برنامج دعم المشتقات النفطية من بين أكثر برامج الدعم الحكومي سلبية على اقتصادنا، ليس في المدى القصير فحسب، وإنما بصورة أخطر وأهم على المديين المتوسط والطويل، لما يتسبب به في ارتفاع غير مقبول في معدل نمو الطلب المحلي على النفط، مع كل ما يعنيه ذلك من تراجع في كفاءة استخدام النفط في الاقتصاد السعودي وتهديد خطير لطاقتنا التصديرية في وقت يطالبنا فيه العالم بزيادة صادراتنا النفطية لمواجهة النمو المتزايد في الطلب على مصادر الطاقة عالميا. وفي ظل النمو المتسارع في الطلب المحلي، فإنه لن يكون بمقدورنا حتى المحافظة على حجم صادراتنا الحالية، ناهيك عن أن نزيدها بشكل كبير، وحتى لو افترضنا أن ذلك ممكن، فسيترتب على ذلك استنزاف سريع لاحتياطياتنا النفطية. وطالما بقيت أسعار المشتقات النفطية عند مستوياتها المتدنية الحالية، فإن هذا الاستهلاك الجائر الذي يزيد حجمه الآن على مليوني برميل يوميا، بل وحتى تهريب المشتقات النفطية إلى الخارج، سيتفاقم ويزداد بحدة، ما يعني استمرار معدلات نمو الطلب المرتفعة ووصول حجم الطلب المحلي على النفط في سنوات قليلة إلى مستويات لا يمكن أن تكون مقبولة أو منطقية، وتأخرنا في التعامل مع هذه القنبلة الموقوتة لن يزيد حلها إلا تعقيدا وصعوبة.
الظروف المعيشية التي يعيشها قطاع واسع في مجتمعنا في ظل موجة الغلاء وارتفاع معدلات التضخم التي لم يواكبها ارتفاع مماثل في مستويات الدخل لشريحة واسعة من أفراد المجتمع تجعل إقرار رفع مناسب في تكلفة المشتقات النفطية على المستهلك عبئا ماليا قد لا تكون شريحة واسعة في المجتمع قادرة على تحمله. في المقابل، فإنه لا يوجد حل آخر يمكن أن يسهم في الحد من هذا الاستهلاك الجائر وغير المقبول، ويضع حدا لهذا التراجع الخطير في كفاءة استخدام الطاقة في المملكة، بل وحتى تحقيق تراجع ملموس في الطلب المحلي على النفط مستقبلا. المواءمة بين هذين النقيضين تتحقق من خلال منح علاوة ارتفاع وقود، مماثلة لعلاوة ارتفاع تكاليف المعيشة التي أقرها مجلس الوزراء أخيرا، تمنح للعاملين في الدولة وطلبة الجامعات والمتقاعدين ومستحقي الضمان الاجتماعي مقابل رفع أسعار المشتقات النفطية. على سبيل المثال يمكن في المرحلة الأولى رفع سعر البنزين إلى 1.2 ريال للتر ورفع سعر الديزل إلى 0.6 ريالات للتر، وللتعويض عن ذلك تمنح تلك الفئات علاوة ارتفاع وقود بمقدار 200 ريال شهريا.
هذه العلاوة تتميز بعدالتها باعتبارها تستهدف الفئات المستحقة كونها تصرف للفرد دون اعتبار لعدد السيارات التي يمتلكها، ومن ثم فإن محدودي الدخل الذين هم غالبا ما يمتلكون سيارة واحدة فقط سيستفيدون ماليا، بينما من يمتلك سيارات عديدة سترتفع عليه التكلفة تبعا لتزايد أعدادها. أيضا فإن رفع أسعار وقود الديزل، وإلى جانب تأثيره في استهلاك الديزل في وسائل المواصلات، سيسهم في الحد من استنزاف المياه الجوفية في القطاع الزراعي، وبالتالي يدعم استراتيجية الدولة الهادفة إلى المحافظة على مواردنا المائية الناضبة التي تستنزف في ري عشوائي بعيد عن الكفاءة، بسبب تدني تكلفة استخراج المياه الجوفية في ظل الأسعار الحالية لوقود الديزل. تبقى هناك إشكالية تتمثل في أن فئة من المواطنين ستظل غير محمية من تأثير هذا الارتفاع في أسعار الوقود، كالعاملين في القطاع الخاص مثلا، إلا أنها مشكلة لا حل مناسبا لها وهامشية بالنظر إلى المكاسب الاقتصادية الهائلة التي ستترتب على رفع أسعار مشتقات النفط والتأثير المحدود لذلك في شريحة واسعة في المجتمع مع صرف هذه الإعانة.
بالنسبة للأثر المالي في الدولة وفي المواطن، فإن كلاهما سيكون مستفيد من تطبيق مثل هذا الإجراء. فالتخفيض في دعم أسعار الوقود محليا، وزيادة إيرادات الدولة نتيجة تصدير كمية أكبر من إنتاجنا النفطي بدلا من استهلاكه محليا خاصة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار النفط، مجموع قيمتهما سيكون دون أدنى شك أكبر بكثير من قيمة علاوة ارتفاع الوقود الذي ستدفعها الدولة لقاء رفع أسعار المشتقات النفطية محليا، ناهيك عن آثارها الإيجابية على كفاءة استخدام النفط. في المقابل، فإن معظم ذوي الدخول المنخفضة في المجتمع سيستفيدون ماديا من هذا الإجراء، باعتبار أن الزيادة في تكلفة الوقود عليهم ستكون، في الغالب، أقل من قيمة الإعانة التي سيحصلون عليها. وفي مرحلة لاحقة يمكن إجراء رفع إضافي في أسعار المشتقات النفطية مع تعويض مناسب، ما يجعل اقتصادنا أكثر كفاءة في استخدام النفط وأقدر على مواجهة ارتفاع تكلفة مصادر الطاقة مستقبلا، وهو ما لن يكون ممكنا طالما بقيت أسعار المشتقات النفطية بهذا التدني المجحف.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي