ملكية الطبيب ودرس في الاقتصاد الجزئي

[email protected]

دائماً ما تكون للأنظمة والسياسات الجديدة آثار سلبية على بعض الفئات والقطاعات التي تشملها هذه الأنظمة. لكن هذه الآثار السلبية قد تبرر بفوائد أخرى تتجاوز تكلفة تلك الآثار السلبية. وقد تكون تتمثل الفوائد في إعادة التوازن الاقتصادي الطبيعي للقطاع، مما يمثل تكريساً لمبدأ العدالة وتغليب المصلحة العامة على الخاصة. لكن فيما يتعلق بنظام المؤسسات الصحية الخاصة الصادر في عام 1423هـ، فالأمر ليس كذلك. إذ وضع النظام شرطاً يلزم المؤسسات الصحية المتقدمة للحصول على الترخيص والعاملة حالياً، بوجوب إشراك طبيب في ملكية المؤسسة الصحية الخاصة. وأي منطق اقتصادي أو اجتماعي أو قانوني يؤكد أنه لا يوجد أي مبرر لهذا الاشتراط. إذ إنني عندما بدأت أقلب الفكرة رأساً على عقب، لم أجد ما يبرر إلزام مالك المؤسسة الخاصة بإشراك طبيب معه لمجرد أنه طبيب فقط. بل إن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والقانونية المترتبة على ذلك تتعدى كل تصور,
فالآثار القانونية المترتبة على ذلك لا تنسحب على المستقبل فقط، ولكنها تتجاوزه إلى الماضي، مما يعني أن كل مالك لمؤسسة صحية يجب عليه أن يبحث عن طبيب ليكون شريكاً معه في ملكية المؤسسة، والنتيجة الطبيعية لذلك هي الالتفاف على الأنظمة والقوانين. أي أن الفائدة القانونية الوحيدة من هذه المادة هي تحويل هذه المؤسسات من مؤسسات تلتزم بالقوانين والأنظمة إلى مؤسسات تلتف على الأنظمة والقوانين لمجرد الرغبة في الظهور بالشكل القانوني فقط. الآثار الاجتماعية أسوأ من ذلك بكثير، فتبديل النظرة الإنسانية إلى مهنة الطبيب هي النتيجة الحتمية الأولى لذلك. إذ سيترتب على ذلك تحويل عمل الطبيب إلى إدارة الأعمال بهدف تحقيق أقصى ربح ممكن بدلاً من علاج المرضى. أي أنها عملية قتل مباشرة للحافز الإنساني الأسمى لدى الطبيب والتضحية بكل تلك السنوات التي قضاها في تعلم مهنته، من أجل تحويله فقط إلى رجل أعمال. وأعتقد أن من صاغ هذه المادة كان يفترض أن الطبيب، وبحكم أنه طبيب فقط، هو أقدر على إدارة المنشآت الطبية من غيره. ولم يعلم صاحبنا أن إدارة الأعمال، كتخصص عام، تتفرع الآن في جميع التخصصات دون استثناء. فكما أن هناك ماجستير إدارة الأعمال في التسويق والمالية، هناك فروع أخرى تركز على إدارة المنشآت الرياضية، وإدارة الفنون، وإدارة الخدمات الصحية، والإدارة التربوية، وفي جميع التخصصات دون استثناء. بل إن الكثير من الشركات العالمية الكبرى تضع سقفاً أعلى للمستوى الوظيفي للموظف سواء كان مهندساً أو إدارياً لحين حصوله على ماجستير إدارة الأعمال MBA.
الآثار الاقتصادية أكبر بكثير من ذلك، إذ إن هذه المادة تهدد نشاط أكثر من ألفي منشأة صحية خاصة، وهذا يعني اقتصاديا زيادة مخاطر الاستثمار في هذا القطاع، والنتيجة المترتبة على ذلك زيادة عائد الاستثمار المطلوب، ومن ثم ارتفاع أسعار الخدمات الطبية، وبمعنى آخر زيادة في معدلات التضخم. النتيجة المباشرة الأخرى هي أن الطبيب مواجه بخيارين أولهما العمل في مهنته مدفوعاً بالجانب الأخلاقي والإنساني، وثانيهما الدخول كشريك في مؤسسة طبية خاصة، سيفضل الأخير بلا شك بالنظر إلى الميزة النسبية المادية التي يتمتع بها. والنتيجة المترتبة على ذلك تعميق العجز في سوق العمل الطبي سواءً في القطاع الصحي الخاص أو العام، مما سيؤدي إلى ملء هذا الفراغ من خلال الاستقدام من الخارج. أما من حيث النتائج غير المباشرة فهي تشمل على سبيل المثال تكاليف التعليم التي تكبدتها الحكومة لتأهيل الأطباء، للعمل كأطباء، والتي ستضيع هباءً عندما يتحولون إلى شركاء في ملكية المجمعات الطبية. ونحن هنا لا ندعو إلى تقييد حق الطبيب في إنشاء منشأة صحية خاصة به إذا رغب في ذلك، ولكننا ندعو إلى عدم تكريس ذلك من خلال الأنظمة والقوانين، وإهدار حق الملكية الخاصة للآخرين، بشكل يسبب خللاً في نظام الحوافز الاقتصادية.
إن قضية ملكية الطبيب ليست المشكلة الوحيدة التي نواجه بها بسبب عدم مراعاة أبسط المبادئ الاقتصادية. إذ إن صياغة هذه المادة تدلل على أنه لم يكن هناك تحليل للآثار الاقتصادية الجزئية على الاقتصاد وبالأخص على جانب سوق العمل في القطاع الصحي. وإذا كان الهدف من وضع هذه المادة ضمان جودة الخدمات الصحية المقدمة، فإنني أجزم أن لا علاقة لذلك بالجودة لا من قريب أو بعيد، إذ إن الطبيب، مثله في ذلك مثل أي شخص آخر، عندما يكون مالكاً للمشروع، فسيكون مدفوعاً بهدف تعظيم الربح، مما يعني أنه سيغلب جانب المصالح المادية له على أي جانب آخر. لذلك نتمنى أن تمثل عملية المراجعة لهذه المادة درساً في (الاقتصاد الجزئي) يتعلمه كل شخص يسهم في صياغة (السياسات العامة للدولة).

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي