مراكز الأبحاث.. السعودية في آخر القائمة أيضا!
في القائمة التي أعدت عن مراكز الأبحاث والتجمع الفكري Think Tanks جاءت السعودية في قائمة أقل الدول في هذه المراكز (3) فقط، وبين (228) مركزا رشحت لتكون الرائدة عالميا من بين (5080) مركزا، ورد في القائمة مركز الملك فيصل للأبحاث والدراسات الإسلامية، وجاء الشرق الأوسط بكل دوله وشعوبه ومشكلاته وقضاياه المعقدة وحروبه في آخر القائمة من حيث عدد المراكز (192) مركزا فقط! (أعد الدراسة: Foreign Policy Research Institute).
إذا، نحن مجتمع بلا مراكز أبحاث متقدمة ومستقلة وفاعلة فلا نستغرب أن تفاجئنا المشكلات وتقفز في وجوهنا القضايا الواحدة تلو الأخرى وبالتالي نغرق في (شبر ماء) وتتسرّب إلينا ينابيع التوتر الاجتماعي من أمور بسيطة جدا كان الأولى تحاشيها وتداركها، ومع هذا الوضع أصبح علينا أن ندفع الثمن لعدم وجود مراكز الفكر الوسيط المساعد لمؤسسات صناعة القرار، والمنير للناس عندما تتضارب الآراء.
مراكز الأبحاث التي استهدفتها هذه الدراسة هي المراكز التي تقوم بدور حيوي في مجال صُنع السياسات العامة، فعبر الأبحاث والمؤتمرات والندوات وورش العمل والمجلات الدورية تقوم هذه المراكز بدور المنير والمساعد والمقرب بين الناس وأصحاب القرار بالذات في القضايا الحيوية الاستراتيجية أو الطارئة، وتقوم بتجميع المفكرين والباحثين وقادة الرأي للعمل في إطار منظم منهجي تتوافر له الإمكانات لإنتاج الأفكار والآراء والتصورات التي تستهدف التأثير والإنارة لصانعي السياسات العامة في المجالات الحيوية للدولة والناس.
أمريكا أول وأبرز دولة أنشأت واهتمت بهذه المراكز والآن يوجد فيها (1776) مركزا أي ما يقارب 35 في المائة عالميا، وتقوم هذه المراكز بدور حيوي لـ (احتواء) المفكرين والباحثين والمسؤولين الحكوميين المتقاعدين لدمجهم في مؤسسات اعتبارية بدلا من تشتتهم وتحولهم إلى تيارات فكرية متباعدة الاهتمام وخطرة على وحدة الدولة والمجتمع. وفكرة هذه المراكز في أمريكا نشأت متزامنة مع ظاهرة أخرى لاحتواء الفكر، وهي جر وسائل الإعلام لتكون تحت مظلة المؤسسات والشركات العملاقة وبالتالي إخضاعها وتوجيهها ورفع قدرتها المالية لتكون قادرة على جذب المفكرين والمثقفين وربطهم بمصالح هذه الشركات وبالتالي تحقيق الاستقرار ومعه المنافع المتبادلة للطرفين.
ومن منافع هذه المراكز للدولة والمجتمع أنها تقوم بدور (المنبه) والمحذر من أخطار ومشكلات قد تلوح في المستقبل، فخاصية الاستقلالية وعدم التأثر بالقضايا اليومية والإجرائية، التي هي من خصائص الأجهزة الحكومية، تساعد هذه المراكز على النظرة الشمولية والفاحصة التي تستهدف المصلحة العامة.
لو كان لدينا مثل هذه المراكز.. هل سنجد أنفسنا أمام قضايا ومشكلات كان الأولى الاستعداد لها؟ فارتفاع أسعار السلع الغذائية كان مفاجأة لنا، رغم أن الدراسات والأبحاث منذ سنوات توقعت هذا الارتفاع، وقس على هذا قضايا تتجدد كل يوم مثل ارتفاع أسعار القمح وتراجع الدقيق، وغير ذلك من القضايا الأساسية مثل أسعار البترول والبطالة وانهيار سوق الأسهم وحتى الإرهاب ومسابقات مزايين الإبل وبروز نزعات العنصرية والإقليمية في مجتمعنا.
وغياب مراكز الفكر والبحث الوسيطة نلمس حاجته الماسة الآن من تعقد القضايا المطروحة والمتجددة في مجتمعنا، فعندما انخفض الدولار تضاربت الآراء فضاع الرأي العام وتوترت مؤسسات الدولة ولم يخرج رأي وسيط يجمع الناس على كلمة سواء يقول إن المصلحة العامة في رفع سعر الريال أو إبقائه، وكان الأولى ألاّ نتخبط في قضايا معقدة لأن وسائل الضبط العلمي متوافرة تسندها التجارب العملية الإقليمية والدولية.
لقد أثبتت وأكدت المشكلات التي نواجهها مدى حاجتنا إلى مراكز أبحاث متقدمة تجمع الآراء على مصلحة عامة مشتركة، فنحن لا نريد أن نقفز بالحلول من النقيض إلى النقيض ولدينا تجارب عديدة في القفز بين النقيضين، وهذا مصدر اضطراب في صناعة السياسات العامة لن يكون في مصلحتنا الاستمرار فيه مع المضي في التحولات والقفزات الكبيرة في مجتمعنا وتعقد القضايا التي نواجهها، بالذات القضايا التي تحتاج إلى الرأي العلمي والتجربة العملية.
إن ولي الأمر يحتاج إلى الرأي العلمي المستنير ليتخذ القرارات التي تمس مصالح الناس ولتكريس ثوابت الدولة، والأجهزة الحكومية كبرت وترهلت وأصبحت تتنازع الصلاحيات، والرأي العام تعددت وتنوعت المصادر التي تغذيه وتوتره وتشتت تفكيره.