مس قلبي .. ولا تمس رغيفي
لا يهم أن تكون أسعار البترول عالية ولا أن تكون لدينا مصانع للبتروكيماويات ولا أن يعلو سوق الأسهم أو يهبط إذا كان أمننا الغذائي غير مضمون .. وهذا ما نحس به الآن ما دام الأمر قد وصل إلى رغيف الخبز بسبب عدم توافر الدقيق في الأسواق, ويرجع ذلك إلى افتقارنا لاستراتيجية غذائية تقوم على أن "نأكل مما نزرع" ويوم أمس الأول كنت أقلب صفحات الذهن للبحث عن عناصر للكتابة حول موضوع الأمن الغذائي فإذا بمقال جامع شامل نشر في هذه الجريدة للزميل القدير عبد العزيز الطلاس، الذي أحاط بالموضوع من جميع جوانبه وعرضه بحس وطني فياض وبأسلوب هادئ وجميل .. وكم كان بودي لو تم التنويه عن المقال في الصفحة الأولى, فهو جدير بالقراءة والاهتمام.
يقول الكاتب في مقاله, القضايا المصيرية التي تمس عامة الناس لا يكفي عند معالجتها واتخاذ قرارات بشأنها تشكيل اللجان ولا الاكتفاء برأي المستشارين فقط, وإنما يلزم طرحها على الرأي العام وسماع وجهات النظر المختلفة حولها .. ثم يضيف: ومناسبة هذا الكلام هي القرارات التي صدرت أخيراً بتخفيض مساحات القمح ودعم الأعلاف المستوردة وفرض العديد من القيود، التي تهدف لتحجيم الزراعة في المملكة بل إيقافها.
وتعليقاً على ذلك أقول بأن أسواً خبر قرأناه هذا العام هو أن المملكة ستبدأ في استيراد القمح بعد سنوات قليلة .. بلادنا بأرضها الخصبة وإنتاجها الجيد من القمح تستورد تلك المادة الحيوية لغذاء شعبها بحجة أن المياه قد تنضب .. وهذا الرأي لم يأت نتيجة دراسات متعمقة من جهات وطنية متخصصة إنما من آراء كتاب ومستشارين، كما أشار الكاتب الكريم في مقاله الشامل. وفي هذا المقام لا بد أن نتذكر زيارة وزير الزراعة الأمريكي قبل أكثر من 25 عاماً .. ونصيحته بأن نتوقف عن برنامج زراعة القمح مع استعداد بلاده لتوفير ما نحتاج إليه من قمح .. ورفضت القيادة ذلك وسلمت بنصائحه دول أخرى وهي اليوم تستورد القمح بأعلى الأسعار وربما لا تجده بأي ثمن وتقع تحت طائلة الضغوط.
وعودة إلى موضوع نضوب المياه أقول إن هناك مناطق لا خطر فيها من نقص المياه ومنها البسيطا في منطقة الجوف .. وقد أكد ذلك مزارعون كبار في تلك المنطقة حيث لم يلاحظوا أي نقص في المياه خلال السنوات الماضية. كما أن الترشيد وتوعية المزارعين حول عدم الإسراف في استخدام المياه هو الحل .. ويقول الشيخ سليمان الراجحي إنه نجح في تخفيض 40 في المائة من كمية المياه التي يسقى بها القمح دون تأثر المحصول.
وأخيراً: نحن لا نطالب ولا نريد العودة إلى التوسع في زراعة القمح ودفع أغلى الأسعار للمزارعين كما كان في السابق واستنزاف المياه بشكل كبير وإنما نريد أن يسمح بزراعة حاجة بلادنا فقط في المناطق المتوافرة فيها المياه وشراؤه بسعر معقول .. وليكن ذلك بناء على استراتيجية شاملة للأمن الغذائي تضمن عدم اعتماد غذائنا كلياً على الاستيراد حتى لا تتعرض أسواقنا للهزات، التي تعرضت لها أخيرا وبالذات في مجال نقص الدقيق، الذي يمس رغيف المواطن وقلبه معاً.