كتاب "تطبيقات الكمبيوتر" للمهن الصحية الفنية المقرر على الكليات الصحية .. مجرد قص ولزق

[email protected]

إن الثورة في مجال المعلومات أفرزت الكثير من النتائج الحميدة وغير الحميدة أيضا (على أساس أن لكل قاعدة شواذ), لكن مما يحمد له أن تأليف الكتب في مجال المعلومات وتقنياتها وصل في عالمنا العربي وفي دول الخليج بالذات إلى مستوى يبشر بمستقبل جيد لأبناء هذا الجيل الواعد، إذ إن التواصل مع العلم باللغة العربية سيجعلنا مواكبين لكل ما استجد فيه، بل ويمكننا من صناعة الجديد فيه بإذن الله. عموما هذا كان من النتائج الحميدة ولكن ماذا عن غير الحميدة؟ في الواقع ما يؤسف ويقلق حقا أن يتعدى التأليف لنشر الوعي والمعرفة في هذا المجال أو أي مجال آخر إلى أن يكون لمجرد تسجيل إنتاج فكري جديد أو نشر اسم المؤلف بالخط العريض أو كسب نقطة للترقية العلمية أو ما شابه. بالطبع لا بأس من اتخام المكتبات بالمحاولات الكتابية كتشجيع وتنمية للكتابة ولكن في التعليم العالي والمهني بالذات لا أميل إلى فرض المنتج الفكري كمقرر دراسي من دون أن يبنى على الأسس الصحيحة للكتابة والاقتباس العلمي, لأن ذلك سيحول مستقبل القطاعات الفنية والمهنية إلى سباق محموم نحو انحدار الفكر وضعف المخرجات وسوء الأداء لا الارتقاء بها والسعي إلى جودة خدماتها.
لقد صدر في عام 1424هـ كتاب عن تقنية المعلومات (تطبيقات الكمبيوتر) للمهن الصحية الفنية يفترض فيه إعطاء خلفية مبسطة عن نظم الحاسب الآلي وربطه بالتجهيزات الطبية وتشغيلها, ولكن بعد قراءته استغربت بادئ ذي بدء عدم وجود مراجع لهذا الكتاب, ثم إن الكتاب عبارة عن جمع غير موثق لجداول ورسومات علمية لمؤلفين متخصصين لم يتم الإشارة إليهم في المرجع. كما أن المصطلحات وكثيرا من التعاريف لم تنسب لمؤلفين أو كتب أو مراجع. والأدهى من ذلك أن الكليات الصحية أقرته كمقرر لتعليم مبادئ الحاسب الآلي، وعلى كل طالب أن يشتريه ليقتنيه. وبالاطلاع على عدة مناهج ومقررات أخرى فكانت الركاكة في التعابير اللغوية وأسلوب القص واللزق وكثير من التجاوزات العلمية والأدبية في تأليف المراجع والكتب. من المعروف أن الكتاب التعليمي في أي تخصص يمر بعدة إجراءات لإقراره ومن ثم طبعه ونشره وتوزيعه أو بيعه في ظروف معينة, ولكن أعتقد (ولا أجزم) أن الأكاديميات الصحية لم تلتزم بذلك, بل أقرت الكتب من جهة غير أكاديمية وغير متخصصة لم تقدر تأثير ذلك في أجيال المستقبل المعول عليهم نقل الخدمة الصحية لمصاف أفضل النظم الصحية في العالم. إن من قواعد التأليف والنشر المتبعة في أي جهة علمية، خصوصا في حالة إقرار المرجع منهجا دراسيا: متابعة مراحل الإنجاز بشكل دوري من قبل الجهة مع مراعاة المؤلف ضوابط النقل والاقتباس المتعارف عليها, كما يتطلب حصول موافقة خطية من صاحب حق النشر وإرفاق الموافقة في ملحق الكتاب المراد نشره, ولا يعد العمل العلمي مقبولا للنشر إلا إذا وافق عليه أغلبية المقومين في لجنة مختصة ومتخصصة.
كما يعتبر المؤلف مسؤولا عما يكون للغير من حقوق على العمل العلمي. من ناحية أخرى هناك معايير لا بد أن تكون في الكتاب أو المؤلَّف المراد نشره واهمها: (1) الأصالة التي تبرز مدى تميز الأفكار وتميز الكاتب بالاستقلال الفكري في معالجة وتحليل المضمون, (2) الشمولية في تغطية جوانب المواضيع مع العمق في التحليل والنقاش, (3) الأمانة العلمية بالالتزام بضوابط الاقتباس وحفظ حقوق المؤلفين المنقول عنهم أو من مؤلفاتهم, (4) شموليته للمراجع المختلفة التي تكون جديدة ومتنوعة, (5) توافر التسلسل المنطقي والموضوعي في عرض محتويات الكتاب ودقة صياغته وسلامة اللغة. في الواقع هذا المؤلف العلمي وغيره مما اطلعت عليه أيضا لم أجد أيا من هذه البنود قد تحقق!. إن مثل هذا التوجه يمكن أن يسفر عنه تشويش الأفكار ونشر المعرفة ناقصة، ما يؤدي إلى عدم الاهتمام بالتخصص عند تأليف المقررات المنهجية. كما أنه يعود الطلاب الخلط بين تأليف الكتب والمراجع والمصادر وبين إعداد المطويات الإرشادية، الأمر الذي يؤثر في قدراته على إعداد البحوث والدراسات على أسس وقواعد الكتابة العلمية الصحيحة. كما أنه إيغار للجرح الذي ينزف الآن مما آل إليه محتوى الإنترنت من عدم مصداقية وغياب مرجعية وزيف للمعلومات، ما يعني تجاوز أخلاقيات المهن التعليمية وأصول مهنة الكتابة والتأليف. وأخيرا في ذلك تسجيل لنقاط الترقيات العلمية بناء على معايير مغلوطة.
من وجهة نظري هذا الخلل يحتاج إلى تضافر جهود عدة جهات ومن خلال تنسيق متكامل وأخص بالذات الهيئة السعودية للتخصصات الصحية ووزارة التعليم العالي حتى لا يتحول تعليمنا إلى قص ولزق واقتباس غير موثق لا يرتكن لأسس فنسبب بأنفسنا ما نخشى منه. كما يجدر بنا ونحن نطالب وزارة التربية والتعليم مواكبة متطلبات العصر بالتحول إلى رقمنة المناهج ووسائل التعليم في التعليم العام, ألا نفرض كتابا جامعيا في هيئة "ورقية" دون توفيره "رقميا" في هذا العصر الرقمي حتى لا نوصف بالمتناقضين!. عموما, ما أتمناه فعلا أن تعود المبالغ المستحصلة من بيع الكتب على مدى هذه السنوات لآلاف الطلبة على هذه المؤسسات بتطويرها وعلاج مثل هذه الهفوات فيها وبأسلوب منهجي. والله المستعان.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي