الأفراد والميزانية .. تفكير لأسبوع واحد
أصبحنا نندمج بشدة مع إعلان الميزانية، فالمواطن يقرأ التفاصيل اليوم باهتمام بالغ، وهذا ليس مستغربا. ازدادت الميزانية جرأة في المحتوى والعرض وازداد المواطن تفاعلا معها والحدث بلا شك يستحق كل هذا الاهتمام. ولكن سرعان ما ينفصل هذا المواطن - الذي يهتم خلال هذه الأيام بتفاصيل ما يخصص وما يقدر - عن الأرقام ويبدأ يعيش عزلته من جديد في بقية أيام السنة. وهو بذلك يمضي 51 أسبوعا بلا تفاصيل يتحكم بها أو يسيطر عليها؛ حينما تصبح سلوكياته المالية أبعد ما تكون عما يتواءم مع الميزانية والوضع الاقتصادي الراهن.
عندما تتضح تفاصيل المرحلة المقبلة يصبح الفرد أكثر قدرة على إدارة مستقبله المالي، هذا ما يحدث عندما تصبح التوقعات أكثر مقاربة للواقع ويصبح التحكم بالمحتمل والممكن أفضل وأسهل. المشكلة نحن لا نستفيد من هذه التفاصيل والحقائق المعلنة التي يتم التعامل معها بطريقة مباشرة وواضحة، بل إن بعضنا يقوم بما يعاكسها تماما ثم يتفاجأ بأن رياحه تجري بما لا تشتهي سفنه.
بغض النظر عما سيظهر لنا لاحقا من موافقات للتوقعات والتقديرات وكيفية تفاعل الأفراد والتجار والجهات الحكومية على أرض الواقع معه، تظل المسؤولية موجودة على الجميع. موافقة الواقع للتقديرات أمر مناط بمستوى الإنتاجية والالتزام بما يتم تخصيصه. مشاركة القطاع الخاص ودعمه للحالة الاقتصادية وتحسن سلوكيات الأفراد وتغيير الأنماط الاستهلاكية وتطوير مهاراتهم الادخارية والاستثمارية يدعم تحسين الكفاءة ويحسن من جودة البناء والاستهلاك في الفترات المقبلة.
تنبئنا الميزانية عند خروجها عن الملامح الاقتصادية للفترة المقبلة بطريقة صريحة جدا، فتظهر لنا الخطة الوطنية لإدارة الثروات ومواجهة التحديات بكل فرصها ومحاذيرها. يعتمد جزءا كبير من نجاح الميزانية على سلوكيات المواطن المشارك بإنتاجيته وسلوكياته المالية خلال السنة. يتطلب الأمر إعادة ضبط لكثير من الإعدادات الشخصية، خصوصا أن الميزانية هذه المرة مختلفة وتحتوي على تغيرات نوعية تتزامن مع إصلاحات تنموية عديدة وتحديات كبرى على مستوى المنطقة والعالم.
تعيش سوق الأراضي إحدى أهم مراحلها التاريخية، وتتغير استراتيجية الدعم الحكومي لكثير من القطاعات لتصبح أكثر دقة وذكاء، وتأتي قريبا كذلك ضرائب القيمة المضافة في ظروف انخفاض أسعار النفط ولن تنقطع بكل تأكيد بقية اللحظات التاريخية. ولكن في الوقت نفسه، يتحسن واقع الفرص الادخارية والاستثمارية. نحن نرى ما يؤسس حاليا من برامج ادخارية ونتفاءل بذلك، بدأت كذلك كثير من الشركات الجيدة والكبرى في تطوير برامج ادخار الموظفين بها إضافة إلى ما أعلنته وزارة المالية من إصدارات للصكوك تتاح للمواطنين. ولا يخفى على أحد من أن الوضع الحالي لأسواق المال وتصحيح أسعار العقار يصنع فرصا استثمارية متنوعة لم تكن موجودة أخيرا، ولهذا يعيد الكثير من المستثمرين برمجة استراتيجياتهم الحالية إلى اقتناص الفرص وترقب السوق وليس الهرب منها.
يشكل الضغط على إنتاجية الفرد عن طريق البرامج الحكومية الطموحة من خصخصة وتطوير إضافة إلى البرامج المتوقعة لتحسين إدارة التكاليف بالقطاع الخاص الكثير من التحديات التي يفترض أن تحسن من سلوكياته الإنتاجية والاستهلاكية. وهذا في نظري أمر إيجابي إذ إنه يعجل بفرصة التعلم وتصحيح السلوكيات السلبية المتراكمة. لن يخسر الفرد بسبب الضغوطات التي يجدها إذا اعتبرها محفزات تدفعه نحو الاحتياط والتخطيط المبكر وتفادي المفاجآت والمخاطر. في النهاية لا بد من أن تدور الدائرة بظروفها السيئة والجيدة والمستفيد دائما من يحترز في الوقت المناسب بالطريقة المناسبة.
تمثل ميزانية الدولة جزءا من الظروف الاقتصادية المحيطة، وهي جزء محوري مؤثر دون أدنى شك. يضعنا الزخم الإخباري خلال هذا الأسبوع داخل بوتقة الميزانية ويجعلنا نعيش الملامح والمتغيرات والتفسيرات الاقتصادية المختلفة بشتى التفاصيل، بحقائقها ومبالغاتها. ثم ننشغل بعد ذلك في زخم آخر من الأحداث والأخبار التي لن تنقطع. يعيش فيها بعضنا بقية أسابيع السنة دون تخطيط ودون ميزانية، وكأنها شيء لم يكن موجودا من الأساس، سواء على مستوى الأوضاع الراهنة العامة أو على مستوى استراتيجية وطنه وواجباته تجاهها أو على المستوى الشخصي، الاستراتيجي واليومي. لا أعتقد بأن الفرصة ستصبح متاحة أكثر مما هي عليه اليوم لتصحيح سلوكياتنا الإنتاجية والاستهلاكية، خصوصا مع استقلالية الفرد المنتج وكمية المعرفة المتاحة والفسح والحوافز الاقتصادية التي لا تزال موجودة والحمد لله.