محاربة «داعش» ماليا.. المطلوب تعاون دولي حقيقي
جاء قرار مجلس الأمن الدولي بخصوص تجفيف مصادر تمويل تنظيم داعش، متأخرا. ولو اتخذت إجراءات مماثلة في الأشهر الأولى لظهور هذا التنظيم الإرهابي، لكانت الأوضاع أفضل بكثير مما هي عليها الآن. ولكانت محاربة "داعش" أسهل كثيرا أيضا، فضلا عن أن نهايته ستكون أسرع. فهذا التنظيم الإجرامي عدو الإنسانية سينتهي في النهاية، ولكن التكاليف لن تكون منخفضة. وفي كل الأحوال، صدور قرار مجلس الأمن بهذا الشأن، يعتبر نجاحا وإن كان متأخرا. وسيساعد الحراك الفعلي للقضاء على "داعش"، وسيثبت لكل البشر أن التعاون الدولي لمواجهة الإرهاب أو أي آفة من الآفات ضد الإنسانية، هو أفضل وسيلة لتحقيق الأهداف، ولحماية البشر وقيم الإنسانية. ولاسيما أن أهمية التمويل المالي لأي حركة أو تنظيم، تفوق أحيانا أهمية السلاح الذي يملكه.
غير أن عملية تجفيف المنابع المالية لـ "داعش" لن تكون سهلة، لأنه في العامين الماضيين، أسس "منظومة" اقتصادية واضحة المصادر، لكنها ليست كذلك على صعيد الحراك والتمويل في اقتصادات بعضها يحارب "داعش" مباشرة. يضاف إلى ذلك، أن أهمية التجفيف المالي، لا تكمن فقط في ضرب المصادر في المناطق التي يسيطر عليها هذا التنظيم، بل أيضا بتتبع قوي لحراك التمويل من الخارج، بما في ذلك التبرعات التي تصله سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. صحيح أن البلدان التي تحارب داعش تعمل بحزم في هذه المسألة، إلا أن وضع حد لهذا النوع من التمويل، يتطلب المزيد من العمل والكثير من المعلومات الاستخباراتية. فإذا كانت هناك جهات شبه معلنة تمول "داعش"، هناك عشرات الجهات غير المعروفة تقوم بذلك.
قرار مجلس الأمن الدولي سيركز في البداية على تتبع حركة المليارات من الدولارات على الساحة العالمية. وهذه مسألة أيضا ليست سهلة لكنها قابلة لأن تنجز في وقت قريب لأن النظام المصرفي العالمي بات تحت السيطرة الرقابية في غالبية بلدان العالم، ليس فقط من أجل تتبع مسار أموال الإرهاب والعصابات، بل أيضا لحماية ودائع المودعين من التعرض لضربات أزمات اقتصادية مقبلة. أي أن هذا النوع من الرقابة ساهم بصورة مباشرة في الرقابة على الأموال غير الشرعية. وهذا يحقق مجموعة من الأهداف في آن معا. ولا نزال نشهد بصورة دورية، كيف أن السلطات الغربية تفرض غرامات على هذا المصرف أو ذاك، كعقاب على تعامله مع تنظيمات إرهابية بما في ذلك تنظيم حزب الله الإيراني اللبناني الإجرامي. ومن هنا، يمكن القول إن تتبع حراك مليارات من الدولارات لـ "داعش"، سوف يتم بصورة أكثر سلاسة، فضلا عن أنه يدعم الحراك العام للقضاء على هذا التنظيم والجهات التي توفر له الدعم، وتلك التي ترفده بالآليات المالية التي يحتاج إليها.
قرار مجلس الأمن الدولي، ينص أيضا على أنه يجب على الدول أن تسن القوانين الرادعة لتمويل الإرهاب، واعتبار عمليات التمويل مهما كانت صغيرة ضمن نطاق الجرائم الوطنية. والمحاربة هذه ستشمل كل القطاعات المعلنة والسرية، العامة والخاصة، الأعمال الصغيرة والكبيرة. لأن تنظيمات إرهابية كـ "داعش"، تحقق النجاح في مسألة التمويل من خلال نشر أكبر كمية ممكنة من الأموال في مشاريع لا تلفت الانتباه، وغالبا ما تكون ذات أحجام صغيرة ولا بأس من بعض المتوسطة منها.
ليس هناك طريق آخر للقضاء على "داعش" وعلى التنظيمات المشابهة له، ولاسيما تلك الممولة من جانب إيران الساعية لنشر الفوضى والذعر والطائفية في المنطقة، إلا عبر التعاون الدولي الحقيقي، وسد الثغرات الموجودة حاليا في جسم النظام المصرفي، رغم كل الإصلاحات التي شهدها هذا النظام في السنوات التي أعقبت الأزمة الاقتصادية العالمية.