الاحتواء الاقتصادي .. وعنف المتطرفين
تفجيران انتحاريان في بيروت، أعقبتهما بيوم واحد هجمات منظمة في باريس، وسبق ذلك انتشار خبر مفاده أن الطائرة الروسية التي سقطت في سيناء تعرضت على الأرجح لتفجير بواسطة قنبلة، وإعلان «داعش» مسؤوليتها عن العملية. كل هذه الهجمات تبرز خطر عنف المتطرفين. أناس من جنسيات عديدة سقطوا ضحايا لأعمال التطرف العنيف في الشرق الأوسط وأوروبا وإفريقيا وآسيا وأمريكا الشمالية.
لكن كيف يمكن الحيلولة دون هذا التطرف العنيف؟ كانت هناك محاولة للإجابة عن هذا السؤال في اجتماع عقده أخيرا نادي مدريد، وهو منظمة تضم رؤساء الدول ورؤساء الوزراء السابقين المنتخبين ديمقراطيا والذين يجتمعون بشكل منتظم حيث يتناقشون في مسائل تهم العالم. وقد أعدوا إطارا من عشر نقاط لوقف التطرف العنيف وكانت إحدى هذه النقاط، الاحتواء الاقتصادي الذي يعني أن كل طبقات وفئات الشعب، وخاصة الشباب، تستفيد من النمو الاقتصادي.
ووفقا لزعماء العالم السابقين المشاركين في هذا الاجتماع، فإن "الاقصاء الاقتصادي يوجد شعورا بالظلم والمعاملة غير المنصفة، وبالتالي يؤدي إلى زيادة التطرف العنيف". وذكر الزعماء أيضا أن "القادة السياسيين حول العالم عليهم واجب هو تمثيل جميع مواطنيهم وتمكين النساء والشباب وضمان حصول الأفراد والمجتمعات المحلية والجماعات على فرص التنمية الاقتصادية وغيرها من الفرص بالتساوي".
ويتفق معظم المراقبين وخاصة من يعمل منهم في العالم العربي على أن الإقصاء الاقتصادي هو أحد أسباب التطرف العنيف. لكنه مجرد سبب واحد من أسباب عديدة. فهناك أسباب أخرى سياسية واجتماعية ودينية للتطرف العنيف. وهذا يعني أنه علاوة على السياسة والأمن، ينبغي أن تركز البرامج الساعية إلى منع التطرف العنيف على زيادة الفرص الاقتصادية والتأكد من استفادة كل فئات الشعب من هذه الفرص.
ولا تتوافر بعد دلائل علمية للربط بين متغيرات اقتصادية محددة كالفقر والبطالة والمستوى التعليمي بالعنف وعدم الاستقرار. وفي حين يزداد العنف في البلدان الفقيرة، لا توجد شواهد على أن احتمال انضمام الفقراء في تلك البلدان إلى جماعات العنف أقوى من الاحتمال لغير الفقراء، ولا توجد كذلك شواهد على أن احتمال استشراء العنف وعدم الاستقرار في المناطق الأكثر فقرا في بلد ما أقوى من الاحتمال لغيرها من المناطق. وبالمثل فإن البطالة في حد ذاتها لا ترتبط فيما يبدو بالعنف ارتباطا قويا. ولا يفسر نقص التعليم أيضا هذه الظاهرة.
وهذا يعني أن التصريحات المعتادة عن التطرف العنيف مثل "الأمر كله يرجع إلى الفقر" أو "يجب أن نركز على إيجاد فرص العمل" أو "نحتاج إلى إصلاح نظام التعليم"، قد تكون تصريحات خاطئة أو على الأقل بحاجة إلى إثبات. لكن حتما ينبغي على البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن تحارب الفقر وتتوسع في فرص العمل وتحسِّن التعليم. وإن كانت هذه التدابير وحدها قد لا تكفي لتحقيق السلام والاستقرار في بلاد تعاني الهشاشة والصراع.
إن العنف وعدم الاستقرار يرتبطان فيما يبدو بالإحساس بالظلم بسبب الإقصاء الاقتصادي والسياسي ويرتبطان كذلك بضعف الدولة واستغلالها للمواطنين وعدم تقديمها للخدمات. إن التهميش الفعلي أو المتصور لفئات كبيرة من المجتمع توفر في الغالب ذريعة للجوء إلى العنف. فعلى سبيل المثال، يمكن القول إن «داعش» استطاعت النمو باستغلال تعرض السكان السنة في العراق وسورية للتهميش.
ولا تتحدد الفئات المعرضة للإقصاء والتهميش على الدوام بانتماءاتها الدينية أو العرقية. فالشباب، على سبيل المثال، فئة مهمشة في كثير من البلدان العربية. وتشعر مناطق داخل البلد الواحد، مثل غرب تونس أو صعيد مصر، بالتهميش. وفي العالم العربي، تعتبر النساء أيضا فئة مهمشة مع ضعف مشاركتهن في سوق العمل وارتفاع معدلات البطالة بينهن.
إن الاضطرابات التي يشهدها العالم العربي يمكن إرجاعها، ولو جزئيا، إلى الشعور بالظلم الاجتماعي والاقتصادي. ومع نمو المجتمعات العربية وازدهارها، شعرت فئات كبيرة (ربما أغلبية السكان) بأنها لا تحصل على (نصيبها العادل).
مجموعات صغيرة من رجال الأعمال وذوي العلاقات السياسية تجني معظم المكاسب وتترك وراءها الأغلبية العظمى من الشباب وأهل الريف والنساء.
ولهذا السبب ينبغي أن تتضمن الجهود الرامية إلى منع التطرف العنيف في العالم العربي سياسات وبرامج تستهدف تحسين الاحتواء الاقتصادي والاجتماعي. ويمكن أن تشمل هذه: تطوير المؤسسات الاقتصادية لتصبح أكثر شمولا ومساءلة، وتهيئة المزيد من الفرص للشباب عبر تنمية القطاع الخاص وتحديث نظام التعليم، ومساندة تنمية المناطق المتخلفة والريفية، وتمكين النساء.
لقد حان الوقت كي تركز الحكومات العربية وشركاؤها الدوليون على الاقتصاد وعلى بناء مؤسسات احتوائية. التركيز بشكل حصري تقريبا على المسائل السياسية ومسائل الهوية المثيرة للانقسام منذ بدء أحداث الربيع العربي في أواخر 2010، هو ما أسهم في زيادة الصراعات واللجوء للعنف. ولن يتحقق السلام والاستقرار والديمقراطية في العالم العربي إلا إذا اندمج جميع المواطنين وخاصة الشباب منهم اندماجا كاملا في اقتصاد بلادهم والمجتمع، وإذا شعروا بأن صوتهم مسموع في مختلف مؤسسات الإدارة العامة.