خواطر في يومنا الوطني
كل دول العالم لها يوم في السنة تحتفل فيه بالوطن, ويرتبط هذا اليوم بمناسبة وطنية مهمة وبارزة, ولعل المناسبة الدارجة والأكثر شيوعا بين دول العالم هي مناسبة استقلالها, ونحن هنا في المملكة لم نجعل لنا يوما وطنيا إلا متأخرا والسبب هو التحرج من الوقوع في البدعة كون اليوم الوطني لجميع الدول يطلق عليه عيد, ونحن كمسلمين ليس لدينا إلا عيدان فقط, هما عيد الفطر وعيد الأضحى, وما عداهما فهو بدعة, ولكن عندما تقرر تخصيص يوم وطني سمي بالاسم نفسه, أي اليوم الوطني وليس عيدا وطنيا, وبذلك أوجدنا يوما نحتفل فيه سنويا بالوطن دون الوقوع في بدعة الاسم.
الاحتفاء بيوم وطني للمملكة العربية السعودية كان ضرورة وطنية لأن له مضامين تفوق كثيرا مضامين اليوم الوطني لأي دولة أخرى, وهذا ليس من باب أنه "حنا غير" أو كوننا أفضل من الآخرين, بل كون يومنا الوطني يحمل رمزية أكبر من استقلال من استعمار, فهذه البلاد لم ترزح معظم أجزائها تحت نير استعمار لأن ليس فيها ما يطمع المستعمرين آنذاك, فقد كانت أرضا قاحلة لا ضرع فيها ولا زرع, وسكانها مجرد قبائل متناثرة في أجزائها الواسعة لا رابط بينها وتقوم فيها إمارات قبلية الصبغة, أي أنها إمارات لا تملك مقومات الاستمرارية والتطور. ورمزية اليوم الوطني السعودي هي في أنه يعبر عن لحظة تاريخية حولت مسارنا من حالة ضياع وتيه وسط تنافر وتباعد وعزلة قبلية فيما بين مكوناتنا البشرية إلى كيان بصبغة دولة تأسست أركانها وفق المنظور العصري للدول, وكان أهم إيجابياتها أنها صهرت الجميع في هوية وطنية واحدة وحولت هذا الوطن من أجزاء متناثرة إلى كيان واحد تطور من عملية التوحيد إلى بناء دولة متكاملة تطورت بعد ذلك حتى باتت اليوم واحدة من أهم الدول الإقليمية وأكثرها حضورا عالميا. وما جرى في واقع الأمر منذ انطلق الباني المؤسس, طيب الله ثراه, حاملا راية التوحيد بشقيها الديني والوطني بدءا من عام 1319هـ الموافق لعام 1902 لينجز في نهاية الأمر واحدة من أبرز وأهم التجارب الوحدوية على مستوى العالم العربي وإعلانها دولة موحدة هي المملكة العربية السعودية عام 1351هـ /1932, كان بمقياس المنظور التاريخي ملحمة تاريخية وإنسانية وحضارية انتهت بتحقيق واحدة من أهم التجارب الوحدوية العربية والإسلامية في العصر الحديث, ولهذا تبرز أهمية اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية كونه يرمز لإنجاز ملحمة وحدوية جمعت الأجزاء المتناثرة وأنشأت دولة ووحدت هوية شعب كامل.
هذه الرمزية ذات المضمون العميق هي أكثر ما يجب أن يعبر عنه الاحتفاء باليوم الوطني لبلادنا, وأهم ما في هذه الاحتفالية أن ندرك القيمة الأساسية لهذا الوطن الذي بني وأسس بعد مخاض عسير من خلال عمل استمر أكثر من 32 سنة قضاها جلالة الملك عبد العزيز, طيب الله ثراه, يجمع الأجزاء ويوحدها من خلال مسيرة قامت على توحيد المشاعر الوحدوية عبر أسس بارزة توضح أن عملية التوحيد توافرت لها عناصر النجاح لكونها قد تأسست على: شرع الله أولا, وثانيا: على إرساء حكم عادل حقق أهم أركانه وهو الأمن الذي كان مفقودا, وثالثا: أن الملك عبد العزيز كسب التفاف الجميع حوله وتآلفهم مع هدفه وهو توحيد البلاد عن قناعة لحكمته في التعامل مع أمراء وشيوخ القبائل, فلم ينتقم من أحد بل أكرمهم وأعزهم وقربهم فكان بذلك أول قائد يتصالح مع الجميع. ولهذا فقد كان سلاحه الماضي هو زرع المحبة والأمان وليس الخوف, وهو ما جعل كل المناطق تندمج بسهولة ويسر. وأكثر ما يؤيد ذلك أنه كان يعين أحد أولئك الأمراء والشيوخ أميرا على منطقته, حتى أتمت عملية التوحيد بناء وإنشاء دولة حقيقية ثبتت وترسخت قواعدها واستمرت حتى يومنا هذا. وما يميز هذا البناء أن مسيرته التوحيدية تطورت على أيدي أبناء المؤسس باستلهام قيمة الإنجاز بتطوير آليات الدولة, ما رسخ توحيدها ووحدتها حتى وصلنا اليوم إلى ما نحن عليه من وطن تعمقت جذوره في وجدان شعبه.
إن إلقاء نظرة على الماضي مهم لاستلهام أسس بناء هذا الوطن وإدراك معانيه ومعرفة كيف كنا وكيف أصبحنا, ثم نسأل ماذا نأمل أن نكون عليه في المستقبل, والمستقبل يجب أن يكون هاجسنا والمحرك لكل عطائنا لهذا الوطن. فالوطن للجميع وليس لفئة دون أخرى, ووطننا اليوم في عين عواصف الأحداث التي تلم بالعالم اليوم وبالذات منطقتنا. ومطلوب منا أن نقود سفينته وسط هذه العواصف بحنكة ودراية وحكمة, ولا يخفى على أحد أننا مستهدفون في ديننا ووحدتنا وأمننا واستقرارنا, وما لم نعمل معا يدا واحدة وقلبا واحدا وبمصلحة مشتركة نشعر بها جميعا, فأخشى ما يخشى أن تتأثر سلبا كل مكتسباتنا الوطنية, لا قدر الله. وأول ما علينا عمله والحرص عليه تحصين الوطن بتطوير أدواتنا وفكرنا وتقوية جهدنا المشترك عبر مفاهيم جديدة بالعلاقة ما بيننا على قاعدة أننا جميعا شركاء في الأمانة والمسؤولية عن وطن بني بكفاح وصبر وأنجز من خلال تجربة إنسانية تدرس كمثال على عمليات التوحيد العظيمة. نعم سفينة الوطن تعبر أمواجا عاتية وتحديات صعبة ولكن لا خوف عليها, بإذن الله, وقائدها عبد الله بن عبد العزيز وطاقمها إخوانه ورجاله أبناء شعب وفي مخلص.