نوكيا.. عملاق التكنولوجيا ضحية متلازمة "الضفدع المغلي"
نوكيا.. عملاق التكنولوجيا ضحية متلازمة "الضفدع المغلي"
"نحن لم نرتكب أي خطأ، ومع ذلك خسرنا".. كانت هذه كلمات ستيفن إيلوب الرئيس التنفيذي لنوكيا حين انتقلت الشركة من امتلاك نحو 40% من سوق الهواتف المحمولة عام 2007 إلى 3% فقط في 2013، في واحدة من القصص التي ينطبق عليها المثل البنجالي "ملك اليوم يمكن أن يكون شحاذ الغد".
بدأت شركة نوكيا، وهي اسم قرية صغيرة على ضفاف نهر نوكيانفيرتا، عام 1865 في مجال صناعة الورق. ثم توسعت مطلع القرن 20 نحو المطاط والكابلات، ولاحقا إلى الإلكترونيات والاتصالات، ليندمج الكل في شركة واحدة باسم "Nokia Group" أكبر الشركات الصناعية في شمال أوروبا.
عام 1981 أطلقت الشركة أول شبكة هاتف محمول في العالم، واستطاعت عام 1982 إنتاج أول هاتف محمول حقيقي "Nokia Mobira Senator" بوزن وصل 9.8 كيلوجرام.
كانت حقبة التسعينيات عصر تألق الشركة بعد اختيارها التركيز على الاتصالات، فأطلقت عام 1994 هاتف "نوكيا 2100" الذي فاق نجاحه كل التوقعات، بعدما باعت منه 20 مليون وحدة. ونجحت في إطلاق نغمة رنين قابلة للتخصيص، ما شكل ميزة ثورية وقتها.
استمر تألق نوكيا في عالم الاتصالات بعدما تجاوزت موتورولا، لتصبح أكثر مصنع للهواتف عالميا، بسلسلة هواتف مثل: "نوكيا 8110" و"نوكيا 5110" و"نوكيا 3210" بمبيعات فاقت 160 مليون.
ونجحت عام 1997 في إطلاق لعبة "الثعبان" (Snake) على هواتفها، التي صارت بعدها ظاهرة عالمية، بذلك تكتشف الجماهير مفهوم الألعاب المحمولة. ولاحقا تطورت إلى هاتف "Nokia Gage" عام 2003، الذي جمع بين الهاتف المحمول وجهاز ألعاب الفيديو.
بعد هاتف "نوكيا 3310" المشهور بمثانته الأسطورية وطول أمد بطاريته، وبمبيعاته التي فاقت 126 مليون وحدة. استطاعت عام 2002 إطلاق "نوكيا 7650" أول هاتف ذكي يعمل بنظام التشغيل سيمبيان.
في 2005 باعت نوكيا هاتفها المحمول رقم مليار، بفضل مبيعات "نوكيا 1100" التي فاقت 250 مليون وحدة، ما جعله الجوال الأكثر مبيعا في التاريخ. بذلك اطمأنت الشركة إلى السوق، حتى قيل بأن "نوكيا تنافس نفسها في تلك الحقبة الزمنية".
كان طرد الرئيس التنفيذي يورما أوليلا عام 2006 بداية نهاية نوكيا، بعدما رفضت مسايرة الرجل في نزوعه نحو تجربة التكنولوجيا الجديدة. وبدلا عنه عينت بيكا كالاسوفو الذي فضل الاستمرار في صنع الهواتف التقليدية، في واحدة من الأخطاء القاتلة في مسيرة الشركة.
مطلع 2007، قدم ستيف جوبز هاتف آيفون الأول للعالم، مدشنا عصرا جديدا في صناعة الهواتف المحمولة في العالم. لم يكن لهذا الخبر وقع يذكر داخل شركة نوكيا، فقد اعتقدت أن هذا الهاتف غير قادر تهديد هيمنة نوكيا العالمية.
ثقة زائدة كلفت نوكيا كثيرا لاحقا، فالتجاهل لتطورات من صميم مجالها فسر بكونه فشلا في التكيف مع متطلبات السوق، لأن تمسك نوكيا بأساليبها القديمة مؤشر على إهمال تجربة المستخدم؛ فعناصر الهاتف من بطارية ومتانة... لوحدها لم تعد تكفي في سوق تشهد منافسة محتدمة.
حاولت نوكيا "ملك صناعة الهواتف النقالة" بتعبير مجلة "فوربس" إنتاج هاتف بمقدوره منافسة أبل وسامسونج، فأصدرت عام 2010 "نوكيا N8"، لكن الوقت قد فات حينها. فقد أتى بعد اكتشاف المستخدمين لشركات بأنظمة تشغيل منافسة.
قررت نوكيا عام 2011 الدخول في شراكة مع مايكروسوفت من أجل وقف التقهقر، بتطوير أول هاتف يعمل بنظام التشغيل ويندوز، لكن ذلك لم يحدث التغيير المطلوب. بل اعتبر في نظر كثيرين خطأ قاتل، لأن مايكروسوفت لم تكن لديها نية للشراكة بقدر ما كانت الغاية تعميم هواتف بنظام التشغيل ويندوز.
تأكد ذلك أواخر 2013، حين أعلنت مايكروسوفت استحواذها على قسم الأجهزة والخدمات في نوكيا مقابل 7.2 مليار دولار، لتضع حدا لعلامة نوكيا التي تربعت على عرش الهواتف لأكثر من ربع قرن.
يظهر إذن أن نوكيا، وخلافا لما قاله الرئيس التنفيذي، ارتكب أخطاء بالجملة بقراراتها الإستراتيجية السيئة، فالتركيز على حصد الأرباح والوجود في جميع الأسواق قلل من اهتمام الشركة بالابتكار والتطوير، والثقة المبالغ فيها دفعتها إلى أن تكون أقل إبداعا تفاديا للمخاطرة، ما جعلها تخسر وعجل بأفول نجمها.
وبذلك أصبح عملاق التكنولوجيا ضحية متلازمة "الضفدع المغلي"، وهي استعارة تصف عجز الناس عن الاستجابة للتهديدات التي تتطور تدريجيًا.